السر اللي قالته مرات أبويا عليه

لمحة نيوز

صوفيا مسكت إيدي وشدتني في الطرقة اللي ورا. البيت اللي طول عمري كنت بحس فيه بالأمان، فجأة اتحول لقفص. ومن شباك المطبخ، لمحت راجلين ببدل كحلي غامقة ماشيين في الجنينة، وكانوا بيتكلموا في سماعات في ودانهم.
صوفيا وشوشتني وإحنا مستخبيين تحت السلم: "دول بيدوروا على الورق.. هما ميعرفوش إحنا نعرف إيه، بس الناس دي خطر جداً."
هزيت راسي وأنا بحاول أستوعب كل اللي بيحصل في لحظة واحدة. بابا اللي كنت بشوفه دايماً الشخص القوي اللي مبيتهزش، الغني اللي ضحكته بتملى المكان.. دلوقتي فهمت الحقيقة المرة وإيه اللي بيحصل من ورا ضهرنا.
كان لازم نتصرف. صوفيا خدتني لأوضة مستخبية ورا المخزن، كانت بتقول عليها "أوضة الأمان" وأنا صغير. قفلت الباب بسرعة بالمفتاح، وجوه كانت الرفوف مليانة ملفات ولابات وأكياس فيها فلوس كاش للطوارئ.
قالت لي بلهجة تخوف: "مقدرش نعتمد على أبوك.. هو غرقان لشوشته في الموضوع ده. حاولت أحذره كتير بس مكنش بيسمع. دلوقتي لازم نحمي نفسنا بنفسنا."
حسيت بنار قايدة جوايا. سنين وبابا هو محور حياتنا، والكل بيعمله ألف حساب، ودلوقتي اكتشفت إنه عرض حياتنا للخطر بسبب طموحه الأعمى.
في الساعات اللي بعد كده، صوفيا بدأت تعلمني إزاي أتعامل مع التهديدات دي: إزاي أتواصل من غير ما حد يراقبني، إزاي أتحرك من غير صوت، والأهم من ده كله، إزاي أتوقع الغدر من أي حد. كنت بسمع وبشرب كل كلمة، وعقلي شغال زي المكنة.
فجأة، الباب اتهز. قلبي وقف. ومن فتحة

صغيرة، شفت الرجالة وهما بيفتشوا البيت بعد ما دخلوا من الجنينة. صوفيا قالت لي بهمس: "خليك ساكت.. واعمل زي ما هعمل بالظبط."
زحفنا جوه مواسير التهوية، وريحة الصاج كانت مالية مناخيري. كل خطوة كانت بمخاطرة، وكل صوت صغير كان بيسمع في ودني زي الرعد. وأخيراً، خرجنا في الجراج، وكانت فيه عربية سوداء ضخمة مركونة وموتورها داير.
صوفيا استعجلتني وقالت: "اركب.. بسرعة.. إحنا هنمشي من البيت ده للأبد."
وإحنا ماشيين بالعربية، شفت بيتنا وهو بيختفي في المراية اللي قدامي. حياتي اللي كنت عارفها انتهت. أسئلة كتير كانت بتلف في دماغي: هو بابا شغال في إيه بالظبط؟ ومين الرجالة دول؟ وليه صوفيا خبت عني كل ده السنين دي كلها؟
بس مكنش فيه وقت للتفكير. عين صوفيا كانت مركزة على الطريق، واللطف اللي كنت عارفه عنها اتحول لإصرار وتحدي رهيب. قالت لي: "ليام.. إحنا مش بس بنهرب.. إحنا هنحارب. وأنا هعلمك إزاي."
لأول مرة من سنين، حسيت بمزيج من الخوف والحماس. فجأة لقيت نفسي في عالم كله أسرار وخطر، بس برغم كل ده، حسيت إني مش لوحدي.
وصلنا لبيت تأمين في أطراف المدينة. جوه كان فيه ملفات أكتر، ولاب توب متأمن، وأجهزة اتصالات. صوفيا ورتني خريطة لشغل بابا، والناس اللي داخلين معاه، ونقاط الضعف في الإمبراطورية بتاعته.
قالت لي: "دي مجرد البداية.. لازم نجمع أدلة، ونكون سابقينهم بخطوة، والأهم من ده كله.. نعيش. ويا ليام، لازم تكون أذكى من أي حد هنواجهه."
هزيت راسي ونبض
قلبي بدأ يهدى. الخوف لسه موجود، بس بقى فيه هدف. مقتش مجرد متفرج.. أنا بقيت جزء من الحرب دي.
على مدار الأسبوعين اللي بعدهم، أنا وصوفيا مشتغلناش غير على الموضوع ده. اخترقنا حسابات متأمنة، وتتبعنا حركة الفلوس، ووثقنا كل عملية مشبوهة. ليام اللي كان طالب ملوش في حاجة، بقى غرقان في عالم التجسس والخيانات.
وفي ليلة، اكتشفنا إن بابا حول ملايين لحسابات بره البلد في السر—فلوس ممكن تودينا في داهية لو وقعت في إيد حد غلط. والأسوأ إن الرجالة اللي هجموا على البيت كانوا تبع جماعة منافسة لبابا وعايزين يخلصوا منه ومننا.
صوفيا كانت رايحة جاية في البيت وبتقول: "الموضوع مش مجرد فلوس.. الموضوع سيطرة. لو نجحوا، هياخدوا كل حاجة.. الأملاك، والسمعة، وحتى حياتنا."
استوعبت إني لازم أواجه بابا. لازم أفهم ليه حطنا في الموقف ده. وباستخدام خطوط الاتصال المتأمنة اللي صوفيا عملتها، رتبنا مقابلة في مكان محايد: كافيتريا مهجورة على حرف المدينة.
بابا وصل، كان لابس شيك جداً كالعادة، وعلى وشه الابتسامة اللي كانت دايماً بتداري دهاءه. بدأ كلامه وقال: "ليام، صوفيا.. الموضوع مش زي ما إنتوا فاهمين.."
بس أنا مسمحتش له يكمل. الأدلة اللي معانا مكنتش محتاج تبرير. قلت له بصوت هادي بس قوي: "يا بابا، إحنا عارفين كل حاجة. الفلوس، والتهديدات، والناس اللي إنت ماشي معاهم. إنت عرضت حياتنا للخطر، وعايزين إجابات واضحة."
لأول مرة، شفت بابا مهزوز بجد. اعترف بكل حاجة، وقال
إنه استهان بالخطر وافتكر إنه يقدر يسيطر على كل حاجة لوحده. الحقيقة كانت واضحة: إمبراطوريته خلقت له أعداء، وإحنا اللي بقينا في وش المدفع.
صوفيا قربت منه وقالت: "الموضوع مش بس اعتراف.. الموضوع إنك تصلح اللي هببته. لازم تنهي المهزلة دي قبل ما الوقت يفوت."
وبمساعدة صوفيا وتخطيطها، قدرنا نوصل لاتفاق مع الجماعة المنافسة، واستخدمنا الأدلة اللي جمعناها كـ "لوية دراع" ليهم. بابا صفي كل الاستثمارات اللي فيها مخاطرة، وحول الأملاك لحسابات متأمنة، وقطع علاقته بكل الناس الخطر اللي كان شغال معاهم. وبالتدريح، التهديد بدأ يختفي.
في الفترة دي كلها، شفت قد إيه صوفيا ست قوية ومبتهزرش. مكنتش مجرد مرات أب؛ كانت هي اللي بتحمينا، هي اللي بتخطط، وفي الآخر كانت هي السبب في إننا نطلع منها سليمين.
على آخر الشهر، حياتنا بدأت ترجع لهدوئها بشكل جديد. شغل بابا بقى أمان أكتر، والتهديدات راحت، وأنا—ليام—اتحولت من شاب غلبان ومسالم لواحد قادر يواجه الصعاب بقلب ميت وثقة في نفسه.
وفي يوم بالليل، وإحنا قاعدين قدام بيت التأمين، صوفيا ادتني كوباية قهوة وقالت لي: "إنت بطل.. مكنتش هقدر أعمل كل ده من غيرك."
ابتسمت وحسيت براحة وثقة مكنتش جربتهم قبل كده. عيلتنا مكنتش مثالية، والماضي مش هيتمسح، بس الأكيد إننا واجهنا العاصفة مع بعض—وعدينا لبر الأمان.
وقتها بس فهمت إن القوة الحقيقية مش في الفلوس ولا في النفوذ. القوة في الشجاعة، والولاء، والناس اللي بتفضل واقفة
جنبك والدنيا بتتهد فوق دماغك.

تم نسخ الرابط