ألما
الشتا مأجاش فجأة السنة دي.
جه زي الهمس.
في الأول جت الرياح، أبرد من العادة. بعدين الأيام قصرت بشكل غريب، كأن الشمس مستعجلة عشان تغيب. الحيوانات بدأت تتحرك قبل ميعادها، والغابة.. الغابة كان فيها سكوت يقلق.
بس مفيش حد في القرية كان عايز يشوف ده.
محدش.. غيرها هي.
اسمها "ألما".
عندها 14 سنة بس.
ومن وهي صغيرة، اتعلمت تلاحظ اللي غيرها مابياخدوش بالهم منه. مش عشان هي مميزة، لكن عشان الحياة أجبرتها إنها تركز. أمها ماتت وهي طفلة، وأبوها المرارة كانت واكلاه ومبقاش زي الأول أبداً. ومع الوقت، بطل يشوفها بنته، وبدأ يعاملها على إنها حمل تقيل.
كان دايماً يقولها: "إنتي ملكيش لازمة."
بس ألما مكنتش بترد، كانت بتسمع وبس.. وتتعلم.
في الخريف ده، لاحظت حاجة مختلفة. الطيور المهاجرة سابت المكان قبل ميعادها بأسابيع. النهر جريانه بقى أضعف، كأنه بيستعد يتجمد. حتى الهوا كان ليه ريحة تانية.. ناشف وقاسي أكتر.
ألما فهمت إن الشتا ده هيكون مرار.
جريت على القرية وقلبها بيدق: "لازم نستعد، الشتا ده مش هيكون طبيعي."
بس
— "رجعتي تاني لأفكارك الغريبة."
— "إنتي طالعة لأمك بالظبط."
— "سيبينا في حالنا."
أبوها كان الأسوأ، زعق فيها قدام الكل: "متحرجينيش تاني! لو مش عارفة تتصرفي زي البني آدمين الطبيعيين.. يبقى ملكيش مكان هنا."
السكوت ساد المكان، وألما حست بحاجة جواها اتكسرت.
قالت: "خلاص.. أنا همشي."
ومحدش وقفها.
في نفس الليلة، بشنطة صغيرة وقلب تقيل، سابت المكان الوحيد اللي عرفته. الغابة استقبلتها ببرد سابق أوانه، بس هي موقفتش. كانت عارفة إن الوقت قليل، ولو إحساسها صح، التلج هينزل بدري. كانت محتاجة ملجأ.. حاجة أمان ومستخبية.
مشيت ساعات لحد ما وصلت لمنطقة عارفاها من بعيد، كان فيه بير قديم مهجور نصه متغطي بالزرع. افتكرت إنها شافته وهي طفلة. قربت وبصت جواه، مكنش غويط قوي لأن التراب ردم جزء منه، بس كان بيوفر حماية من الرياح، وجدرانه الحجر ثابتة، والأهم إنه مستخبي.
ألما خدت قرارها: "هنا هعيش."
أول كام يوم كانوا عذاب. ومن غير أدوات، بدأت تحفر بإيديها وبالحجر والخشب
وبعدين.. التلج جه.
من غير إنذار، عاصفة غطت الغابة في ساعات، والعالم كله بقى أبيض وساكت وقاسي.
في القرية، بدأت الكارثة. المخزون مكنش كفاية، والطرق اتسدت، والبرد كان أقوى من توقعات أي حد. بس الأوان كان فات.
أما ألما، فكانت بتقاوم تحت الأرض. المغارة بقت عالمها، اتعلمت تحافظ على الدفا بورق الشجر الناشف، وتولع نار صغيرة جداً عشان متخلصش الأكسجين، وكانت بتوزع أكلها بالعافية. مرت أيام كان نفسها تستسلم فيها من الجوع والوحدة والبرد اللي بيقرص في عضامها، بس كانت بتقول لنفسي: "مش هموت هنا."
الوقت مكنش ليه معنى، أيام ولا أسابيع ولا شهور.. الشتا مكنش بيخلص. بس فجأة، الهوا هدي، والتلج بدأ يدوب، ولأول مرة شافت شعاع شمس دافي داخل مخبأها.
خرجت بحذر، لقت العالم اتغير، والربيع بدأ يظهر. خدت نفس عميق.. هي نجت.
بس لما بصت ناحية
مشيت للقرية وقلبها مقبوض. لما وصلت، فهمت كل حاجة. البيوت كانت مقفولة، ومنها اللي وقع من تقل التلج، ومنها اللي مهجور. مفيش صوت، مفيش حياة. الشتا كان أقسى مما يتحملوا.
ألما مشيت في الشوارع، شافت وشوش عارفاها، وقصص وذكريات، بس مفيش حد عايش. فهمت الحقيقة المرة.. هي الوحيدة اللي استعدت، والوحيدة اللي سمعت، والوحيدة اللي عاشت.
وقعت على ركبها، مش راحة، لكن حزن.. لأن النجاة لوحدك بتوجع.
بس مسمحتش لنفسها تنكسر، لأن بقى عندها هدف. رجعت للغابة، مش عشان تستخبى، لكن عشان تبني من جديد. ومع الوقت بدأت تزرع وتجمع وتأسس حياة تانية.
البنت اللي طردوها، بقت هي الأساس لبداية جديدة. وبعد سنين، لما ناس غريبة عدت من المكان، لقوا حياة ونظام وأمل، ولقوا ست قوية اتعلمت أصعب درس: أحياناً العالم مبيسمعش، وأحياناً بيرفضك ويطردك، بس لو عندك الشجاعة تثق في اللي تعرفه، هتقدر تعيش حتى في المستحيل.
القوة مش بالسن، القوة هي الإرادة إنك