أنا وأخي في القبو

لمحة نيوز

أنا اسمي إيما دوسون، وكان عندي ست سنين لما عرفت إن البيت ممكن يقلب عليك ويبقى عدوك.
الناس فاكرة إن الأطفال مابيفهموش لما حاجة بتبقى غلط، وبيفتكروا إننا مابناخدش بالنا من علامات الخطر عشان لسه صغيرين. بس الحقيقة إن الأطفال بيلاحظوا كل حاجة؛ بنلاحظ صوت الخطوات على السلم، وبنعرف نفرق بين الابتسامة الحقيقية والابتسامة اللي بتختفي أول ما الناس تدير وشها. بنحس حتى لما حرارة الأوضة تتغير لمجرد إن شخص معين دخل فيها.
أبويا، دانيال دوسون، كان شغال في منصة بترول في الخليج وكان بيغيب بالأسابيع. قبل ما يتجوز "راشيل"، كان دايماً يقول لي أنا وأخويا الصغير "بين" إننا هنرجع عيلة من تاني، وإنها ست طيبة وهتساعدنا، وإن البيت مش هيفضل فاضي وكئيب بعد ما ماما ماتت.
بس طلع غلطان.. غلطان جداً.
لما بابا كان بيبقى موجود، راشيل كانت بتمثل دور الست اللي الكل يثق فيها؛ تعمل بان كيك الصبح، تلم لي شعري، وتقول للجيران قد إيه هي بتموت في الأطفال. كانت بتضحك بصوت واطي وبتدلع "بين" وتقول له يا "حبيبي". بس أول ما بابا يمشي بعربيته ويختفي عن العين، وشها كان بيتغير قبل حتى ما غبار العربية يهدى. صوتها بيبقى ميت، وبارد. والبيت بيتحول لمكان كله قواعد وعقوبات بتخترعها في لحظتها.
"

بين" كان عنده عشر شهور بس. كان بيعيط لما يجوع، أو لما يحتاج يتغير له، أو لما يعوز حد يشيله. راشيل كانت بتكره كل ده. كانت بتكره الدوشة، والكركبة، والأسئلة، وأي حاجة تفكرها إننا محتاجين اهتمام أكتر ما هي عايزة تدي. أنا أصلاً كان عندي جبيرة في رجلي الشمال عشان وقعت من على سلم البلكونة قبلها بأسبوعين، وراشيل قالت إن ده غلطي لأني "مهملة وبحب الدراما". لو "بين" عيط كتير، كانت بتسيبه في سريره لحد ما وشه يزرق وإيديه الصغيرة تتنفض من كتر العياط. ولو طلبت آكل قبل الميعاد اللي هي عايزاه، كانت بتقولي إني "طماعة زي أمك اللي ماتت".
القبو (البدروم) بدأ كأنه مجرد تهديد.. بس بعد شوية بقى هو كل عالمنا.
المكان كان مبلول، وضلمة، وريحته كمكمة ودهان قديم. كان فيه شباك واحد صغير وعالي قوي ماحدش يطوله، ولمبة واحدة راشيل كانت بتطفيها أغلب الوقت. جرجرتني هناك أول مرة لما دلقت مية وأنا بحاول أعمل ببرونة لـ "بين". شالت "بين" تحت باطها كأنه كيس غسيل ورمتنا إحنا الاتنين جوه، وقالت وهي بتقفل الباب بالمفتاح: "يمكن الضلمة تعلمك تحمدي ربنا على اللي كان معاكي".
في الأول، كنت فاكرة إن بابا هيرجع قبل ما الأمور تسوء. بس الأيام بدأت تسيح في بعضها. راشيل كانت بتنزل لنا قليل قوي،
تسيب لنا حتت عيش ناشفة، شوية مية، أو أي فضلات هي مش عايزاها. "بين" بدأ يسخن ويبقى همدان في حضني، وقورته كانت بتغلي. بطل يعيط زي الأول، وده خوفني أكتر من أي حاجة تانية. رجلي كانت بتنقح عليا طول الوقت تحت الجبس، وعلى اليوم الخامس شميت ريحة وحشة طالعة من عند كاحل رجلي، كأن الجلد بدأ يدوب ويبوظ.
كنت عارفة إني لو استنيت أكتر من كده، "بين" هيموت.
تكملة القصة:
في الليلة السادسة، الضلمة كانت تقيلة قوي لدرجة إني مكنتش شايفة إيدي قدام وشي. "بين" كان نفسه طالع ونازل بصعوبة، وصدره بيزيق. حاولت أنده عليها، أصرخ، أخبط على الباب بكل قوتي، بس مفيش فايدة. الجبس كان تقيل وبدأ يضغط على رجلي اللي ورمت، والوجع كان بيخليني عايزة أغيب عن الوعي.
فجأة سمعت صوت مفاتيح. الباب اتفتح والنور عمى عيني. راشيل كانت واقفة، بس المرة دي مكنش في إيدها أكل. كان في إيدها شنطة سفر. قالت ببرود مرعب: "أبوكي اتصل، المنصة حصل فيها حادثة وهو في المستشفى. أنا ماشية، ومش هرجع تاني. البيت ده هيتباع، ومحدش هيعرف إنكم هنا."
قفلت الباب، وسمعت صوت القفل وهو بيلف مرتين. وسمعت صوت خطواتها وهي بتبعد، وبعدها صوت عربيتها وهي بتمشي.
ساعتها، الخوف اللي كان في قلبي اتحول لحاجة تانية.. غريزة بقاء.
زحفت على كوعي لحد ما وصلت لصندوق قديم تحت الشباك العالي. حاولت أزقه، بس رجلي المكسورة كانت بتصرخ من الألم. بدأت أعيط، بس افتكرت شكل "بين" وهو مش قادر يتنفس. قعدت أزق وأزق لحد ما الصندوق بقى تحت الشباك.
وقفت على رجلي السليمة، وسندت بضهري على الحيطة. مسكت حتة حديدة مصدية كانت واقعة في الأرض، وبدأت أضرب في إطار الشباك الخشب القديم بكل غلي. الخشب كان دايب من الرطوبة، وبدأ يتكسر. فضلت أضرب لحد ما الفتحة وسعت.
طلعت راسي من الفتحة وصرخت.. صرخت بكل اللي فاضل فيا من صوت. "الحقونا! حد يساعدنا!"
القدر كان رحيم بينا، جارتنا العجوزة كانت بتسقي الزرع وسمعت صوتي المكتوم. اتصلت بالشرطة، وكسروا باب القبو ودخلوا. المسعفين شالوني أنا و"بين"؛ هو كان عنده جفاف شديد والتهاب رئوي، وأنا كان عندي تسمم في الدم بسبب الجرح اللي تحت الجبس.
لما بابا فاق في المستشفى وعرف اللي حصل، كان هينهار. راشيل اتمسكت وهي بتحاول تعدي الحدود.
النهاردة، وأنا ست كبيرة، لسه بخاف من الأماكن المقفولة، ولسه رجلي بتوجعني لما المطر ينزل. بس كل ما أبص لـ "بين" وهو راجل طول بعرض وعنده ولاده، بفتكر إن البيت مكنش هو اللي ضدنا.. هي كانت القسوة اللي لابسة وش بني آدم، وإن الروح الصغيرة لما تحب بجد،
تقدر تهد حيطان السجن.
تمت

تم نسخ الرابط