البيت اللي المفروض أمان... كان أخطر مكان
بقى لي شهور حاسة بتعب وغثيان بعد كل أكلة. "بطلي دراما وكلام فارغ"، أبويا زعق في وشي وأنا برجع دم. بس لما...
ريحة البيض والتوست المحروق خبطت في وشي أول ما دخلت المطبخ، النوع ده من روايح الصبح اللي المفروض تحسسك بالراحة والدفا—بالبيت يعني—بس مؤخراً كانت بتخلي معدتي تتعصر من الرعب. أبويا كان قاعد على السفرة ومعاه الجرنان، وبخار القهوة طالع جنبه، ومكشر كالعادة. وقدامه ديانا، مرات أبويا الجديدة، كانت بتبتسم بزيادة وهي بتبتسم وبتقلب حاجة تقيلة ولونها أخضر في الخلاط.
"صباح الخير يا حبيبتي"، قالتها بنبرة ناعمة بزيادة لدرجة تخلي سنانك توجعك. "جيتي في وقتك بالظبط عشان الفطار."
معدتي قلبت. مكنتش أكلت وجبة كاملة من أيام، من غير ما ينتهي بيا الحال وأنا متنية من الوجع، وماسكة ضلوعي وزغلالة في عيني، وطعم الحديد مالي بوقي. بس إنك تقولي لها "لأ" كان أصعب من التعب نفسه. رسمت ابتسامة باهتة بالعافية وقلت: "مش جعانة."
أبويا خبط الجرنان من غير ما يرفع عينه: "عشان خاطر ربنا يا آنا، كلي. إنتي
"قلت لك مش—" ملحقتش أكمل الكلمة قبل ما وجع حاد يقطع في أحشائي، النوع اللي بيخلي النفس مستحيل. اتكفيت على الحوض وأنا بترعش، الدنيا لفت وبقت حمراء قدام عيني وأنا بكح وطلع خيط دم.
"يا ساتر يا آنا!" أبويا قام فجأة وهو بيخبط فنجان القهوة: "إنتي بتبوظي الدنيا!" مسحت بوقي بظهر إيدي، وأنا دايخة وبترعش: "بابا... فيه حاجة غلط."
ديانا بقت جنبي في ثانية، وضوافرها المتزينة لمست كتفي: "يا روحي، تلاقيه مجرد ميكروب، إنتي مضغوطة بزيادة في المدرسة." صوتها كان زي الحرير، بس عينيها—باردة وميتة وبتحسب كل حاجة.
بقى لي شهور على الحال ده. غثيان خفيف بعد كل أكلة هي بتعملها، دوخة، وجع في الصدر، وحالات إغماء. كل ما أحاول أقول لبابا، يقلب عينه ويقول إني عاطفية بزيادة و"رهيفة." كان بيقول لي: "لازم تنشفي شوية، مش كل حاجة بتدور حوليكي."
بس ليه التعب ده كان بيختفي لما باكل أكل أنا اللي محضراه لنفسي؟ وليه كان دايمًا بيرجع بعد العشا معاها؟
الصبح ده ديانا ادتني مج حراري
أنا مكنتش مصدقة، بس أوليفيا فكرتني بفلوس أمي اللي هورثها لما أتم الـ 18، وإن بابا مش هيقدر يلمسها إلا لو مت. رحنا المستشفى وعملنا تحليل دم عند خالة أوليفيا الممرضة.
النتيجة كانت صدمة. دكتور السموم قال لي إن دمي فيه مستويات عالية من "الثاليوم"—معدن تقيل وسام جداً ملوش طعم ولا ريحة وبيسموه "سم المسممين." كان كفيل يقتلني في خلال أسابيع.
الشرطة دخلت في الموضوع، والمحققة "توريس" سمعت قصتي. وبابا اتصل بيا وهو بيزعق ويقول لي إني بفتري على ديانا وبطلب اهتمام وخلاص. المحققة ردت عليه وقالت له إننا جايين البيت ومعانا قوة.
فتشوا البيت ولقوا "الثاليوم" في عصيري، ولقوا علب شاي فيها سم، والأدهى من كده لقوا مذكرات لديانا كاتبة فيها مواعيد الجرعات وملاحظات عن تعبي،
ديانا اتمسكت وهي بتحاول تهرب بعربية بابا. وبابا اتحبس بتهمة الإهمال الجنائي لأنه تجاهل كل صرخاتي. والمفاجأة الكبيرة إنهم أعادوا فتح ملف وفاة أمي، واكتشفوا إن ديانا كانت بتدور على أعراض السم ده قبل وفاة أمي بفترة، يعني هي اللي قتلتها كمان!
في المحكمة، ديانا كانت باردة جداً، حتى لما اتحكم عليها بالسجن المؤبد. بصت لي وقالت لي بكل بجاحة: "المفروض تشكريني، أنا خليتك قوية." بس أنا مكنتش محتاجة سمها عشان أبقى قوية.
بعد سنة، بقيت بدرس علم السموم والطب الشرعي عشان أحمي الناس من الوحوش اللي زيها. رحت زرت بابا في السجن، كان ندمان ومنهار، قلت له إني مش قادرة أسامحه دلوقتي، بس أنا عايشة وبخير رغم اللي عمله فيا.
دلوقتي أنا حرة، وعايشة في شقة جديدة، وبشرب شاي بالبابونج وأنا مطمنة. مفيش خوف، مفيش وجع، فيه بس سلام. أخيراً قدرت أنام من غير كوابيس، وشفت أمي في الحلم وهي بتضحك لي في الشمس.