يوم ولادتي
يوم ما رجعت ببنوتي المولودة من المستشفى، كان المفروض يكون أسعد يوم في حياتي. كنت متخيلة اللحظة دي بقالي كتير: الراحة، والتعب، والحب اللي بيملى البيت لما طفلك يدخله لأول مرة. مكنتش أتوقع أبداً إن الخوف هو اللي هيسيطر عليا.
جوزي "دانيال" كان شايل الشنط، وأنا كنت شايلة بنتي "إيما" في كرسي العربية بحذر. وإحنا طالعين السلم، جارتنا "مدام كالدوييل" نادت علينا من بيتها اللي قصادنا. الست دي ساكنة في الحي من عشرات السنين وبتلاحظ كل دبة نملة.
سألتني بابتسامة: "كانت ليلة طويلة؟"
ابتسمت بذكاء وقلت لها: "لسه هنشوف بقى الليلة دي هيحصل فيها إيه".
لكن تعبيرات وشها اتغيرت فجأة وقالت بهدوء: "بس ابنك فضل يعيط طول الليل إمبارح.. كنت خلاص هجيلك أشوفك محتاجة مساعدة ولا لأ".
وقفت مكاني ومكنتش فاهمة هي بتقول إيه. قلت لها باستغراب: "أنا مكنتش في البيت إمبارح، كنت لسه في المستشفى".
مدام كالدوييل بربشت بعينيها وقالت بإصرار: "بس.. كان في حد هنا، النور كان منور في الصالة، وأنا متأكدة إني سمعت عياط بيبي".
بصيت لدانيال بقلق، وهو قال لها بحذر: "مستحيل، إحنا لسه خارجين من المستشفى الصبح".
الجارة بدأت تشك في نفسها وقالت: "يمكن اتلخبطت بين البيوت.. أنا آسفة".
لكن كلامها
أول ما دانيال فتح الباب، عرفنا إن في حاجة غلط. الباب مكنش مقفول بالمفتاح! وإحنا متأكدين إننا قفلناه قبل ما نمشي من تلات أيام. أول ما دخلنا، شميت ريحة "بودرة أطفال" مالية المكان.
وقفت مكاني وقلبي بدأ يدق. السرير الهزاز اللي في الصالة مكنش فاضي؛ كان فيه بطانية مكرمشة كأن حد كان شايلها. وجنب السرير، لقيت جهاز مراقبة الطفل (البيبي مونيتور) شغال والشاشة منورة مع إننا مكنش لسه شغلناه.
دانيال همس لي: "كلمي البوليس".
لاحظت بصمات صوابع صغيرة ممسوحة على طرف السرير، وجنب البطانية كان فيه "تيتينة" (لهاية).. مش بتاعتنا، ولا حتى نفس النوع اللي اشتريناه.
وفجأة، سمعنا صوت تزييق خشب من الدور اللي فوق، وبعدها صوت خطوات. دانيال مسك "ماسك النار" الحديد اللي جنب المدفأة وقال لي: "خليكي هنا".
الخطوات بدأت تقرب من السلم، وجسمي كله اتخشب. وفجأة سمعنا صوت ست بيقول: "أرجوكم متخافوش".
ظهرت ست فوق السلم وهي رافعة إيديها. للحظة عقلي مكنش مستوعب، وبعدين الصدمة نزلت عليا.. دي أختي "أنجيلا".
كان شكلها تعبان جداً، شعرها منكوش وهدومها مبهدلة كأنها منامتش من أيام. بصت لبنتي اللي في الكرسي وهمست: "هي دي بقى؟ جميلة أوي".
دانيال زعق فيها: "إنتي بتعملي
أنجيلا هزت راسها وقالت: "كنت محتاجة ليلة واحدة بس".
البوليس وصل في دقايق، وأنجيلا مسلمة نفسها بهدوء كأنها كانت مستنية اللحظة دي. في القسم، الحكاية كملت.
من تمانية شهور، أنجيلا فقدت جنينها في أواخر الحمل (ولادة جنين ميت)، ومحكتش لحد من العيلة عن حجم الوجع اللي كانت فيه. حياتها بدأت تنهار، خسرت شغلها وشقتها. كانت متابعة حملي على النت لحظة بلحظة، ولما عرفت إننا رحنا المستشفى، اقتحمت البيت.
بس الأرعب من كده، إنها مكنتش لوحدها. الأول جابت معاها "عروسة" لعبة، وبعدين أخدت بيبي من برنامج متطوعين في المستشفى (طفل مولود بمضاعفات ومستني رعاية)، وجابته بيتنا! قعدت معاه طول الليل، أكلته ونيمته في سرير بنتي، ورجعته المستشفى الصبح قبل ما حد يحس بحاجة.
أنجيلا اتحاكمت بتهمة اقتحام بيت وتعريض طفل للخطر. التقييم النفسي قال إنها متزنة عقلياً لكنها غير مستقرة عاطفياً بسبب صدمة فقدان ابنها. لما شفتها في أوضة التحقيق، قالت لي وهي بتعيط: "مكنتش عايزة آخد بنتك، كنت بس عايزة أفتكر إحساس الأمومة".
أنا ملقيتش كلام أقوله.
البيت بعد الحادثة مكنش هو هو. كنت بحس بتقل في كل أوضة، وبقيت بخاف أنام لو إيما مش في حضني. العلاج النفسي ساعدني
القاضي حكم على أنجيلا بالعلاج النفسي الإلزامي بدل السجن، مع قرار بمنعها من الاقتراب مني. أنجيلا بدأت تبعت لي رسايل من المصحة بتعتذر فيها وبتحكي عن "السكوت" اللي حست بيه بعد ما فقدت ابنها، وإزاي أقنعت نفسها إن ليلة واحدة "تمثيل" هتداوي الجرح.
أنا مديتهاش أي رد. لأن ليلة واحدة دمرت إحساسي بالأمان في بيتي.
زرتها مرة واحدة بس، قالت لي بهدوء: "مكنتش بفكر فيكي، كنت بفكر في السكوت اللي حواليا وبس".
رديت عليها: "دي المشكلة، إنك بطلتي تشوفي الناس حقيقيين". هي عيطت، وأنا لأ. قلت لها: "أنا مش جاية أسامحك، أنا جاية أقولك إنك عمرك ما هتكوني جزء من حياة بنتي".
مع الوقت، البيت بدأ يرجع طبيعي. "إيما" كبرت وبدأت تضحك وتزحف. دهنا الصالة، غيرنا السرير، واتبرعنا بالبطانية اللي لمستها أنجيلا.
بعد سنة، بنتي صحيت تعيط في نص الليل. قمت أخدتها من غير ما قلبي يدق بخوف ومن غير ما أدور في البيت على أصوات غريبة.
يومها فهمت إن أنجيلا مسرقتش بيبي.. هي سرقت "اليقين". واليقين ده بيتبني تاني بالراحة، خطوة بخطوة. قفلت الباب بالمفتاح قبل ما أنام، مش عشان خايفة، بس عشان دي بقت عادة. طفيت النور ونمت، والبيت كان هادي.. ولأول مرة من وقت
تمت