منفية في بيتي

لمحة نيوز

أنا من زمان عارفة إن جوزي "جيك" هو ابن أمه المدلل، بس الكلمة دي بسيطة أوي على الواقع اللي كنت عايشاه. هو مكنش بس بيحب لورين، هو كان مربوط بيها بحبل سري نفسي مقطوعش أبداً. لما اسمها كان يظهر على الموبايل، كان جسمه يتفرد وصوته يوطى كأنه عيل مستني توبيخ من أمه.
لمدة ست سنين، جوازنا كان ماشي بفضل مسافة الساعتين اللي بينا وبينها. إحنا في مدينتنا وهي في مدينتها، ودي كانت الحدود الوحيدة اللي جيك قدر يحافظ عليها. زياراتها كانت زي "الضربات الجراحية"؛ تدخل من الباب وعينيها تعمل مسح شامل للبيت عشان تطلع العيوب، تلمس حرف الدولاب وتقول بتمثيل: "التراب بيملى البيت لما الست متبقاش مركزة"، تبص لِلبسي وتقول: "لسه بتشتري هدومك من محلات التبرعات؟ كتر خيرك والله." وجيك يضحك ضحكته الصفرا المكتومة اللي معناها استسلام تام.
"أنا جاية أقعد عندكم أسبوع عشان مأمورية شغل"، ده اللي لورين أعلنته في التليفون. قلبي سقط في رجلي، أسبوع من سمها ده ماراثون مش مستعدة له. بس الصدمة الحقيقية كانت لسه جاية. قالت بصوت واطي كأنها بتقول سر: "لازم تقول لـ "كاسيدي" تقعد في أي حتة تانية وأنا هناك.. الجراج مثلاً.. إنت عارف إني مش برتاح وأنا معاها تحت سقف واحد."
استنيت جيك ينطق، استنيت يقول لها: "يا ماما ده بيت كاسيدي." لكنه دخل الأوضة التانية ووشوشها في التليفون، وبعد ساعة جالي وعينه في الأرض وقالي بتمتمة: "أمي دماغها ناشفة.. ممكن.. يعني.. تقعدي في الجراج؟ أنا هحط لك مرتبة وشمع ريحة حلوة، ونعتبرها كأننا بنخيم في الطبيعة!"
ما صرختش، فيه حاجة جوايا انكسرت

بهدوء. فهمت إن جيك مش بس عاوزني أبعد عن طريقه، هو عاوزني أختفي. عاوزني أتسحب في طرقة بيتي زي الحرامية عشان أدخل الحمام، كل ده عشان "الهانم" اللي ساعدته بفلوس في مقدم البيت ماتضايقش.
قولتله: "تمام، هقعد برا البيت بس في فندق." كنت فاكرة إني كسبت جولة صغيرة، وتخيلت نفسي في سويت شيك. لكن جيك حجز لي "لوكاندة" تعبانة ورا بنزينة مصدية على الطريق السريع. الأوضة ريحتها سجاير بايتة وموكيت مبلول، والستارة مش واصلة لبعضها، ونور "النيون" بتاع المحل اللي جنبنا عمال يرعش على السقف كأنه صداع مزمن. أول ليلة، وأنا سامعة صوت التريلات، فهمت قيمتي عند جيك: مجرد مشكلة لازم تتحل بأرخص تمن.
الصبح، الوجع اتحول لنار باردة ومركزة. بدأت "المرحلة الأولى". صورت كوباية القهوة المعفنة بتاعتي على حرف الشباك المكسور اللي بيبص على مقلب زبالة، وكتبت: "الدنيا دوشة شوية بس بحاول أتعايش"، وعملت "تاج" لجيك ولورين.
تاني يوم، صورت صرصار ماشي في الحمام وكتبت: "بحترم شركائي في السكن، هما كانوا هنا قبلي." صورت كيس النوم اللي حطاه فوق الغطا اللي يقرف، صورت نور النيون اللي بيرعش، صورت العفن اللي تحت الحوض. الموبايل انفجر تعليقات من صحابي وقرايبي: "إنتي كويسة؟"، "إيه اللي وداكِ هناك؟"، "فين جيك؟".
جيك بعت لي رسالة مرعوبة: "مكنش له لزمة تنشري كل ده، هو أسبوع وهيعدي." ما ردتش عليه، كنت مشغولة بـ "المرحلة التانية".
لمدة خمس أيام، ولورين عاملة ملكة في مطبخي وجيك خدام عندها، كنت قاعدة على السرير المقطع ومعايا اللاب توب. مكنتش بس بنشر صور، كنت بجمع كشوف حسابات
البنك، وعقود البيت، وبيانات أحسن محامي طلاق في البلد.
في اليوم الخامس، دخلت بيتي. لورين كانت واقفة في الصالة ومربعة إيديها بانتصار: "أهو، ليكي عين تورينا وشك بعد ما فضحتينا أونلاين؟" وجيك واقف وراها قالي بحدة: "انبسطتِ وإنتي بتمثلي دور الضحية في الزبالة دي؟"
قولتله بهدوء: "أنا مأخترتش الزبالة دي يا جيك، إنت اللي اخترتها." لورين زعقت: "أنا اللي مدياك فلوس البيت ده! ومن حقي أحط الشروط اللي تعجبني!" بصيت لجيك: "هو ده اللي عندك؟ شروطها هي اللي تمشي؟" بص للأرض وسكت.
طلعت من شنطتي ظرف تقيل، لورين خطفته وهي فاكرة إنه خطاب اعتذار. فتحته ووشها قلب ألوان من الصدمة. "طلاق؟ إنتي بتبلغيه بقضية طلاق في بيتي؟" جيك مسك الورق وقعد على الكرسي وهو مش مستوعب. "إنتي بجد هتعملي كدة عشان أسبوع في لوكاندة؟"
رديت وأنا واقفة في نص الصالة اللي تعبت في فرشها ونضافتها: "لأ يا جيك، أنا بعمل كدة عشان في خلال أسبوع شوفت مكاني في حياتك فين بالظبط. إنت اخترت لي لوكاندة عشان متبقاش راجل قدامها. إنت فاكر إني مكاني ورا بنزينة، بس أنا عارفة إني استحق أكون في مكان أكون فيه الست الوحيدة اللي تفرق."
مشيت ناحية الباب، ما خدتش شنطة هدوم لأني كنت نقلت حاجتي المهمة لشقة تانية مأجراها من تلات أيام في السر. لما الباب قفل ورايا، البيت كان هادي. مفيش اعتذار حصلي، مفيش حد جري ورايا يلحقني. بس سمعت صوت لورين وهي بتبدأ وصلة ردح جديدة، وصمت جيك المثير للشفقة.. الراجل اللي أخيراً خد اللي هو عاوزه: بيت مفيهوش غير ست واحدة بس.
هو تردد ثانية واحدة كانت كفاية
تخليني أفهم هو مستعد يعمل إيه عشان أمه، ومستعد يضحي قد إيه بمراته. في الآخر قالي: "ماشي، هحجز لك."
كنت فاكرة إني كسبت، بس اكتشفت إني كنت أتمنى لو قعدت في الجراج ولا شوفت اللوكاندة دي. نمت أول ليلة وصوت العربيات بيزلزل الأوضة وسألت نفسي: "إمتى جوازي بقى كدة؟ إمتى بقيت مجرد كمالة عدد ينفع تترمي في أي خرابة عشان تفضي مكان لغيرها؟"
الصبح بدأت أنفذ خطتي ببرود. المرحلة الأولى كانت صور القهوة والزبالة والصرصار، والتعليقات مكنتش بترحمه. "إنتي متستاهليش كدة." جيك بعت يقولي: "إنتي درامية أوي، هي غلطة."
لما دخلت البيت في اليوم الخامس، جيك كان فاكر إنه راجع يخانق، لورين كانت فاكرة إنها انتصرت. لكن لما شافت ورق الطلاق، الحقيقة خبطتهم في وشهم. جيك قالي: "إنتي مش ممكن تكوني بتتكلمي جد." قولتله: "أنا مكنتش جد في حياتي قد دلوقتي."
خرجت من الباب وحياتي القديمة انتهت. دلوقتي، أنا في شقتي الجديدة، مفاتيحي في جيبي، وفلوسي ملكي، ومحدش بيقدر يقولي مكاني فين. الطلاق بقى رسمي في يناير، وصاحبتي توشا سألتني: "حاسة بإيه؟"
قولت لها وأنا ببص للهدوء اللي حواليا: "حاسة إني لحقت أخرج قبل ما أخسر الحتة اللي فيا اللي كانت ممكن توافق وتكمل." توشا هزت راسها وقالت: "ده في حد ذاته أكبر مكسب."
الحكاية مش بس إن جيك وجعني، الحكاية إنه كان فاكر إن الخوف والضغط هما اللي هيمشوني. كان فاكر إني هقبل أكون "أقل" عشان هو يرضي أمه. بس هو كان غلطان، وعشان كدة كل حاجة كان لازم تخلص.
دلوقتي، مفيش حد بيملي عليا شروطه في مطبخي. أنا حرة، والحرية دي هي أحلى حاجة
حصلت لي.
النهاية.

تم نسخ الرابط