قـفـل نحـاس.. بقلم منــال عـلـي

لمحة نيوز

قـفـل نحـاس.. بقلم منــال عـلـي

شربت آخر بوق في القهوة، وسحبت "الأجندة السوداء" من جيب الروب. فتحت الصفحة الأخيرة، وكتبت بخط إيد ثابت كأني بكتب "تذكرة خروج" لمريض: «الثلاثاء، 5:45 صباحاً.. استرداد الملكية».
طلعت من الشنطة "عتلة" حديد صغيرة وشاكوش تقيل كنت مستلفاهم من بواب العمارة اللي جنبنا بحجة إني بصلح السرير. وقفت قدام باب المكتب. بصيت للقفل النحاس اللي بيلمع بوقاحة وسط الضلمة. بقلم منــال عـلـي 
رفعت الشاكوش.. وفي لحظة، خبطت القفل خبطة واحدة مدوية هزت حيطان الشقة القديمة. صوت المعدن وهو بيتكسر كان بالنسبة لي أحلى من أي مزيكا. خبطة تانية، والقفل وقع على الأرض برنة رخيصة زيه.
فتحت الباب. ريحة ورق حسن والتراب الهادي استقبلتني كأنها بتحضني.
طبعاً البيت كله صحي. أحمد خرج يجري بالبوكسر والتيشرت، وداليا وراه

بقميص النوم وشعرها منكوش، والذهول

مالي وشهم متوفره على روايات واقتباسات 
* أحمد (بزهول): «فيه إيه يا ماما؟ الحرامية دخلوا؟ إيه اللي حصل؟»
* داليا (بصريخ مكتوم): «إيه الصوت ده! القفل اتكسر ليه؟»
وقفت بكل هدوء، ساندة العتلة على كتفي، وبصيتلهم ببرود الممرضات اللي شافوا أصعب الحالات:
* أنا: «صباح الخير يا حبيبي.. مفيش حرامية، أنا بس كنت بفتح "أوضتي". أصل المفتاح ضاع مني فجأة، فقلت أتصرف بدل ما أصحيكم».
* داليا (بجاحة): «بس إحنا اتفقنا يا طنط إن الأوضة دي هتبقى أوضة البيبي اللي جاي.. إحنا دهنا الحيطة وجهزنا السرير بره!»
-: «ده "اتفاقك" إنتي مع خيالك يا داليا. والدهان اللي عملتوه ده، هتدفعوا تمنه لشركة النقاشة اللي هتيجي النهاردة ترجع الأوضة زي ما كانت.. كلاسيك، زي ما حسن سابها».
* أحمد (بيحاول يلم الدور): «يا ماما

مش كده.. إحنا كنا بنساعدك
وبنجدد البيت.. إنتي كبرتي والمصاريف بقت..»
قاطعته برفع إيدي، نفس الحركة اللي كنت بعملها للدكاترة الصغيرين لما يغلطوا في التشخيص:
* أنا: «أنا كبرت بس ما خرفتش يا أحمد. والبيت ده أنا وحسن دفعنا تمنه بدمنا. سكتّ كتير على الستاير اللي اتشالت، والصور اللي اترمت في الكراتين، وقلت "شباب وعايزين يعيشوا".. لكن قفل على باب ذكرياتي في بيتي؟ دي اللي مفيش فيها "معلش"».
طلعت من جيب الأجندة ظرف أصفر كبير، وحطيته على السفرة جنب القفل المكسور.
* أنا: «ده عقد إيجار لشقة "ستوديو" لطيفة أوي في جسر السويس.. قريبة من شغلك يا أحمد، ومودرن جداً زي ما داليا بتحب. أنا دفعت لكم تأمين وشهر مقدماً من مكافأة نهاية الخدمة بتاعتي.. هدية مني ليكم».
* أداليا (بصدمة): «إنتي بتطردينا يا طنط؟»
* أنا: «لأ يا حبيبتي.. أنا برجع
"الحدود". قدامكم أسبوع،
الكراتين اللي لميتوا فيها صوري، تلموا فيها لبسكم. والشنطة اللي في إيدي دي، فيها تليفون محامي زميلي، هيخلص إجراءات نقل ملكية الشقة دي لاسم "سلمى" وبنتي وبعقد انتفاع ليا طول العمر.. عشان محدش يفكر يبيع أو يشتري في حياتي أو بعد مماتي».  بقلم منــال عـلـي 
بصيت لأحمد اللي كان واطي راسه في الأرض، كأنه طفل رجع لمكانه الطبيعي.
* أنا: «الشاي على النار يا أحمد.. ادخل اشرب كوباية وفوق، عشان العمال جايين الساعة 9 يشيلوا القفل ده ويركبوا ترباس حديد.. من بتاع زمان، اللي مبيفتحش غير للي معاه المفتاح الأصلي».
دخلت أوضة المكتب، قفلت الباب ورايا، وفتحت الشباك. ريحة الياسمين من البلكونة دخلت تملى المكان. قعدت على كرسي حسن، فتحت الكشكول الأسود، وشطبت على كلمة "استرداد الملكية".. وكتبت مكانها: «تم
شفاء.. المريض استرد وعيه».

تم نسخ الرابط