كراكيب العيلة
خلاص يا أمي، كلو خلص أحمد وشوشني بالكلمتين دول وهو خارج من المحكمة في آخر يوم.. خلص للأبد.
يوم افتتاح البيت كان يوم سبت، والشمس طالعة بتنور الدنيا. منطقتي الشعبيّة، اللي "ليلى" كانت بتسميها "جحر"، كانت قالبة الدنيا فرحة. جمعية المهندسين والجيران عملوا معجزة؛ المكان اللي كان محروق وريحته بنزين، بقى بيت دورين، مدهون أصفر مبهج، وشبابيكه واسعة، وله بوابة حديد متينة.
كان فيه بلالين في كل حتة، وفراشة منصوبة في الشارع، وريحة الأكل واللحمة والمحشي مالية الحتة. "عم شوشو" طلع السماعات بتاعته وشغل أغاني شعبي وفرح، و"الست لبيبة" وباقي الجارات عملوا حلل رز وفاصوليا وحاجات تفتح النفس. كانت حفلة منطقة بجد، من اللي بتحس فيها إن الكل أهل.
— يا ست ماجدة! اتفضلي في قصرك الجديد! — عم شوشو زعق وهو بيحضني، وريحته كانت شحم وميكانيكا بس مليانة حنية حقيقية.
دخلت البيت وأنا ساندة على دراع أحمد. من جوه، ريحة الدهان الجديد والخشب كانت ترد الروح. بس أجمل حاجة إن المهندسين حافظوا على روحي في البيت؛ المطبخ كان واسع، والرخام والسراميك فكروني بمطبخ جدتي
— يا جماعة، عندي كلمة عايز أقولها قدامكم كلكم — أحمد اتكلم وهو بيخبط بالمعلقة على الكوباية عشان الكل يسكت.
الجيران كلهم وقفوا يتفرجوا من الشبابيك والأبواب. أحمد وقف في نص الصالة وطلع حاجة من شنطة هدايا.. كانت لوحة نحاس صغيرة بس شيك قوي.
— كتير منكم عارفين إحنا مرينا بإيه — أحمد بدأ يتكلم وصوته فيه غصة — عارفين إن فيه ناس حاولت تمسح أمي من حياتي، حاولوا يقنعوني إنها "كراكيب" وحمل زايد. بس اللي الناس دي مكنتش تعرفه إن الست دي هي الساس اللي بنى كل حاجة أنا وصلت لها. عشان كدة، النهاردة مش بس بنفتح بيت، النهاردة بفتح طريقي المهني الخاص.
أحمد شاور على باب جانبي في البيت، كان مكتب مستقل بنوه له، وفوقه لافتة مكتوب عليها: "مكتب المحامي أحمد الصاوي وشركاه: العدالة للعائلة".
— أول قضية كسبتها كانت قضيتي أنا — أحمد كمل وهو بيبص لي وعينيه بتلمع — بس من بكرة، المكتب ده هيدافع عن كل أم بتكافح لوحدها، وعن كل عامل بيتعرض لظلم، وعن كل عيلة بتتداس بالأقدام من ناس فاكرة إن الفلوس تشتري كل حاجة. و50% من مكسبنا هيروح لشنط مدارس ومنح لأطفال منطقتنا
الشارع كله انفجر تصفيق وزغاريط و"برافو يا متر!". أنا مكنتش قادرة أنطق من كتر الفرحة.. ابني، ضنايا، بيرد الجميل لكل الناس.
بعد ما الأكل خلص والجيران مشوا، قعدت أنا وأحمد لوحدنا في الصالة الجديدة نتفرج على الغروب. دخل مكتبه ورجع بكرتونة كنت مخبياها تحت سريري ليلة الحريقة.. الكرتونة اللي فيها ألبوم الصور.
— كنت فاكرة إن مية المطافي بوظته يا أحمد — قلتها وأنا بلمس جلد الألبوم اللي كان لسه فيه بقع غامقة.
— اتبقع شوية يا أمي، بس مش مهم — رد وهو بيقعد جنبي — "ليلى" كانت بتقول إن الألبوم ده زبالة، وإنه ملوش مكان في عالمها.. وكان عندها حق، لأن الألبوم ده مش معمول لناس "صغيرة" زيها.
أحمد فتح الألبوم على آخر صفحة، وأنا اتسمرت مكاني.. مكنتش فاكرة إني حطيت حاجة هناك.
كانت فيه صورة جديدة، صورها لنا جارنا "بيتو" في نفس اليوم وإحنا داخلين البيت الجديد. كنت طالعة فيها وأنا بضحك، وتجاعيد وشي باينة بكل فخر، ولابسة مريلة مطبخ نظيفة، وأحمد حاضن كتفي وبيبص للكاميرا براحة عمري ما شفتها فيه قبل كدة.
وتحت الصورة، أحمد كتب بخط إيده:
"لأمي العزيزة ماجدة.
حضنته وفضلنا نعيط سوا، بس المرة دي كانت دموع بتغسل الروح، دموع بطعم الشاي بالنعناع وساعة عصاري هادية.
— عارفة إيه أكتر حاجة تضحك يا أمي؟ — أحمد قالي بعد شوية — جالي تقرير من السجن النهاردة. "ليلى" شغالة في مغسلة السجن، وبتقول إنها طول اليوم بتشتكي إن الصابون بوظ إيديها وريحة الكلور مابتطلعش منها.
ضحكت بصوت عالي.. الكارما دمها خفيف قوي. هي اللي عايرتني بريحة المستشفى والكلور والشقا، دلوقتي عايشة فيه، بس من غير الحب اللي بيخلي للريحة دي قيمة.
— ربنا يسامحها يا بني — قلت وأنا ببص للسما — أنا سامحتها خلاص. لأن بسبب شرها، أنا النهاردة عندي بيت أحلامي، وابن بقى راجل قانون بجد، وعندي يقين إن حب الأم دي قوة مفيش نار تقدر تطفيها.
مبقتش "ماجدة بتاعة المستشفى"، بقيت "الست ماجدة" صاحبة مكتب المحاماة، الست اللي أثبتت إن "الحمل الزايد" هو في الحقيقة أغلى كنز الراجل بيشيله
الـنـهـايـة