قصة ليلي

لمحة نيوز

لو سمحت يا أستاذ.. تعرف حد يقدر يساعدني؟ أنا ماليش مكان أنام فيه الليلة دي.
الصوت كان رقيق وضغيف، يا دوب طالع بالعافية وسط الزحمة والدوشة اللي في الجنينة. آرثر رفع عينه من شاشة الموبايل المنورة، وهو مش دريان إن الكام دقيقة اللي جايين دول هيقلبوا كيان حياته كلها. قدامه كانت واقفة طفلة صغيرة، عندها بتاع 5 سنين، لابسة فستان قديم ولونه باهت من كتر اللبس والغسيل. شعرها كان منكوش، شعر طفلة مفيش حد يسرحه لها ولا يهتم بيها. رجليها الصغيرة كانت في صندل مقطع، وماسكة في إيدها شنطة قديمة ومتبهدلة، متبتة فيها كأنها أغلى حاجة تملكها في الدنيا.
البنت كانت مربعة إيديها قدامها، وواقفة بوقفة ثابتة وهادية، هدوء مفيش طفل في سنها مفروض يحسه أو يشيله أبداً. آرثر فضل قاعد على الدكة الحديد بيبص لها بذهول. كانت أصغر بكتير من إنها تمشي في شوارع المدينة لوحدها، وأرق بكتير من إن تراب الشارع يغطي هدومها. كانت واقفة والضل حواليها بيطول مع غياب الشمس، وبتبص لآرثر كأنه آخر أمل ليها في الدنيا عشان ينقذها.
حط الموبايل في جيب بدلته الغالية، وعينه منزلتش من على عينيها الواسعة الغامقة. عينيها مكانتش بتشحت شفقة، ولا كانت بترتعش من الخوف، ولا نزلت دمعة واحدة.. كانت بس بتسأل بسكوت وقهر يقطع القلب. لثواني مرت كأنها سنين، مكنش عارف ينطق بكلمة. آرثر اللي قضى سنين في صراعات الشركات والمفاوضات الصعبة وشاف كتير، عمره ما شاف براءة بالوجع ده. أخد نفس طويل، وعمل حاجة ملقاش نفسه بيعملها من زمان.. قام من على الدكة

ونزل على ركبه في وسط تراب الشارع عشان يبقى في مستوى طولها ويبص في عينيها. حركة فيها تواضع مبيعملوش مع حد في حياته، بس قدام الطفلة الغريبة دي، حس إن ده هو الرد الوحيد اللي ينفع.
سألها بصوت حنين لدرجة إنه نفسه مكنش عارف صوته اسمك إيه يا حبيبتي؟ ردت بكلمة واحدة لي. آرثر ابتسم لها برقة وقال لي.. اسمك جميل أوي. بصت له بجدية وقالت كأنها بتصلح له معلومة مهمة اسمي ليلى. كان هيضحك بس كتم ضحكته احتراماً لرزانة الطفلة اللي قدامه. يا ليلى، أنتي جعانة دلوقتي؟ بصت لصندلها القديم اللي عليه تراب، وبعدين بصت له تاني، ورجعت بصت للأرض وهزت راسها ببطء، كأنها مكسوفة تعترف باحتياجها البسيط للأكل.
آرثر قام وجاب لها أكل سخن وعصير فريش. تعالي معايا يا صغيرة، ناكل لقمة. مد إيده ليها، ليلى مترددتش، حطت إيدها الصغيرة في كفه.. وثقت فيه بسرعة خلت قلبه يوجعه. بعد 5 دقايق، آرثر رجع قعد والطفلة جنبه بتاكل في صمت، وماسكة شنطتها القديمة بإيدها التانية طول الوقت، ورافضة تسيبها من إيدها ولو لحظة. آرثر فضل يراقب حركاتها بدقة وفضوله بيزيد. أنتي شايلة إيه في الشنطة دي يا ليلى ومخليها غالية عليكي كدة؟ البنت فتحت السوستة بحرص وورته كنوزها. جوه كان فيه منديل ورق مطبق، صورة قديمة باهتة، وورقة مكرمشة فيها دعاء مكتوب بخط طفلة لسه بتتعلم الكتابة.
شرحت له ببراءة ماما قالت لي طول ما أنا شايلة الورقة دي وبدعي
ربنا، هو هيفضل واقف جنبي دايماً.. وقالت لي إن الستر والصبر أهم حاجة في الدنيا. بكلامها الرقيق، كانت بتتكلم
بيقين خلى آرثر يحس بنوع من الخزي. ندم على كل اللي يملكه وكل مرة اشتكى فيها من حياته المرفهة. قدامه طفلة عندها 5 سنين، بتستعد تنام على الرصيف، وماسكة في دعاء كأنه كنز. سألته فجأة أنت بتدعي ربنا يا أستاذ؟ السؤال ده دخل زي السهم في قلبه. آرثر سكت خالص، مكنش قادر يكذب ومكنش عاوز يعترف بفراغه الروحي. غير الموضوع وسألها طب وماما فين يا ليلى؟ ليلى شاورت على السما وقالت ببساطة هي في المستشفى الكبيرة.. وقعت جامد ومبقتش تتكلم خالص.. وبعدين بقيت لوحدي.
وفجأة، لقى ست جاية بتجري، بتنهج وصدرها بيعلو ويهبط، وعينيها حمراء من كتر القلق. يا رب يا حبيبي.. أخيراً لقيتك يا بنتي. دي كانت ميس كلارا، جارتهم الشقيانة. آرثر قام وقف وسألها بلهجة حازمة أنتي تعرفي البنت دي؟ كلارا ردت وهي بتعيط من التعب أيوه طبعاً، أنا جارة أمها. وحكت له اللي حصل مريم وقعت في شغلها من 3 أيام، خبطت راسها وخدوها الإسعاف، وصاحبة البيت طردت البنت في الشارع عشان مفيش إيجار. بقالي يومين بلف الشوارع عليها، وهي نايمة في البرد ده لوحدها.. يا رب ارحمنا.
آرثر حس بمسؤولية وقال بكل ثقة سيبيها في رقبتي، أنا هاخدها المستشفى دلوقتي عشان تشوف أمها. ليلى ردت بكلمة هزت كيانهم هو ده اللي ربنا بعتهولنا يا ميس كلارا. في المستشفى، آرثر دفع كل المصاريف وطلب أحسن رعاية لمريم. الدكتور قاله إن حالتها مستقرة بس لسه مغمي عليها. ليلى دخلت لمامتها، مسكت إيدها وقالتلها ماما، أنا هنا.. أنا بأمان.. ربنا بعت لنا راجل يساعدنا زي ما وعدتيني. آرثر
وقف ورا الباب وعينه بتدمع، وفجأة تليفونه رن، كان المحامي بتاعه بيقوله إن خطيبته آيفي بتخونه وبتحاول تسرق ثروته.
آرثر حس إن حياته كلها كانت كدبة كبيرة، وإن الصدق الوحيد هو اللي شافه في عين البنت دي. بعد ساعة، آيفي جت المستشفى عشان تمضيه على ورق تنازل، وشافت ليلى وقالت بقرف إيه اللي مقعدك مع شحاتة من الشارع؟ آرثر رد ببرود دي مش بنت شوارع، دي أنضف منك بكتير، ولو ممشيتيش دلوقتي هبلغ عن تزويرك للورق. آيفي هربت، وفي نفس اللحظة الدكتور خرج وقال مريم فاقت! آرثر دخل ورا ليلى، ومريم أول ما شافته اتصدمت وقالت بصوت ضعيف آرثر..
آرثر كان واقف مش فاهم حاجة، بس مريم بصت له وقالت آرثر.. ليلى تبقى بنتك. الأوضة سكتت خالص. آرثر بص لليلى بتركيز، وشاف فيها نفسه.. نفس الملامح، إزاي كان أعمى؟ مريم حكت له إنها حاولت توصله زمان بس تليفونه كان اتغير، وفضلت تشتغل ليل نهار عشان تربي بنتها وتزرع فيها الرضا والستر. آرثر نزل على ركبه قدام ليلى وعينه بتفيض دموع أنا بابا يا ليلى.. أنا غلطت كتير، بس أوعدك مش هسيبك تاني أبداً. ليلى مسكت إيده وقالت له ببراءة ماشي يا بابا.. بس لازم تدعي ربنا معايا دايماً عشان يبارك لنا.
بعد أسبوعين، آرثر خرج من المستشفى
وهو شايل ليلى ومريم ساندة عليه. حس إن كل الملايين اللي جمعها ماتسواش حاجة قدام اللحظة دي. البنت الصغيرة اللي الناس شافتها غلبانة هي اللي أنقذت المليونير من ضياع روحه، وعلمته إن الكنز الحقيقي مش في البنوك، لكن في الستر والقلوب الصافية اللي دايماً راضية
بنصيبها.

تم نسخ الرابط