لقمة الغريب في بيت السند

لمحة نيوز

عشت مخدوعة سنين فاكرة إن جوزي سند وابني اليتيم في حماه، لحد ما اكتشفت إن حماتي بتستخسر فيه اللقمة جوه بيتي، وجوزي مطاطي راسه وموافق على كسـ,ـر قلب عيل صغير عشان يوفروا “المصاريف”!!

“إرمي الطبق ده من إيدك فوراً يا سيف.. إنت مش هتاكل لقمة واحدة في البيت ده تاني!”

الكلمة دي وقعت عليا زي السهم في عز السكوت.. كنت واقفة ورا باب الصالة، وشايفة ابني سيف اللي عنده ٦ سنين واقف ماسك طبق مكرونة بالبشاميل، ودموعه نازلة بصمت وهو بيبص لجدته “الحاجة ثريا”.. حماتي.

الحاجة ثريا، ست “باشا” في نفسها، شياكة وريحة برفيوم غالية، وكلامها كله “يا حبيبتي ويا روح قلبي”، بس ورا الوش ده كان فيه تعبان نايم ومستني الفرصة.

أنا مروة.. اتجوزت ياسين بعد وفـ,ـاة جوزي الأولاني، ياسين اللي كان بيحلف بحياة سيف ابني ويقولي “ده ابني البكري يا مروة، ده اللي هيشيل اسمي”، وفعلاً صدقته، وعشنا ٤ سنين زي الفل، وزاد عليهم بنتنا “ليلى”.

لكن اللي حصل النهاردة كسر كل حاجة..

حماتي قامت وقفت، وشدت الطبق من إيد سيف بعنـ,ـف، وقالت بصوت واطي ومرعب:
* “إنت مابتفهمش؟ قولتلك ميت مرة الأكل ده لليلى وباباها.. إنت ليك “جبنة وعيش” في المطبخ، ماتمدش إيدك على حاجة مش بتاعتك!”

سيف بصلها بكسرة:
* “بس أنا جعان يا تيتة.. وبابا ياسين قالي كُل مع أختك.”

راحت ضاحكة بتهكم:
* “بابا ياسين؟ ياسين مش بابا يا حبيبي.. ياسين ده اللي شايل شيلتك بالعافية، ومستحملك عشان خاطر أمه الغلبانة اللي هي مامتك.. يالا غُور

على المطبخ مش عايزة أشوف وشك هنا!”

 

أنا كنت براقب المشهد وجسمي كله بيترعش.. الصدمة شلت حركتي.. ياسين كان قاعد في الأوضة اللي جوه، وسمع كل حاجة، بس مطلعش!

مسكت نفسي بالعافية ودخلت الصالة والصوت طالع مني بالعافية:
* “إيه اللي بيحصل هنا يا ماما؟ إيه الكلام اللي بتقوليه للطفل ده؟”

حماتي لفت لي ببرود يحـ,ـرق الدـ,ـم، وعدلت السلسلة الدهب اللي في رقبتها وقالت:
* “أهلاً يا مروة.. كويس إنك سمعتي، عشان ننهي المسرحية دي.. أنا مابحبش اللف والدوران.”
* “مسرحية إيه؟ ده ابني يا ماما.. وياسين قالي إنه ابنه!”

* “ياسين غلبان وطيب، وأنا سيبته يلعب دور الأب شوية، بس خلاص.. البنت كبرت، ومصاريف البيت بقت غالية، ومش مستعدة أشوف ابني بيشقى عشان يأكل “لحم غريب” وهو عنده بنته أولى بكل قرش.”

ياسين طلع في اللحظة دي، باصص في الأرض، مابينطقش..
* “ياسين.. رد عليا! إنت سامع أمك بتقول إيه؟ سامعها وهي بتقول على ابنك “لحم غريب”؟”

ياسين بصلها بضعف وقال:
* “يا مروة.. أمي عندها وجهة نظر برضه.. المصاريف تقلت، وإحنا لازم نفكر في مستقبل ليلى.”

الدنيا اسودت في عيني.. السند طلع “قش”، والراجل اللي ائتمنته على ابني طلع بيسمع كلام أمه في اللقمة اللي سيف بياكلها!

حماتي قربت مني ووشوشتني بكلمة كانت هي القاضية:
* “بقولك إيه يا مروة.. أنا هاخد ياسين وليلى نسافر “الساحل” الويك إند ده.. وسيف يفضل هنا معاكي، أصله ملوش مكان في العربية، ولا ليه مكان في قلوبنا أصلاً.. ارضي بنصيبك

يا حبيبتي!”

مکنتش أعرف إن السفرية دي متدبرة عشان حاجة تانية خالص..
وإن اللي هيحصل في غيابي كان هينهي علاقتي بالبيت ده للأبد!
#الکاتبه_نور_محمد

الباب اتقفل وراهم، وصوت مفتاح الكالون وهو بيلف كان كأنه بيلف حوالين رقبتي وبيخنقني..
البيت فجأة بقى هادي، هدوء مرعب مفيش فيه غير صوت أنفاس سيف وهو بيبكي في صمت، خايف حتى يطلع صوته ليزعل حد. نزلت على ركبي قدامه، حضـ,ـنته بكل قوتي، كأني بخبيه من قسوة الدنيا كلها بين ضلوعي.

رفعت وشه بين إيديا ومسحت دموعه، وقولتله بصوت مليان قوة اكتشفتها فجأة في نفسي:
* “أنت مش ضيف يا سيف.. أنت سيد الناس، واللقمة اللي تذلك، ندوس عليها إحنا الاتنين! من النهاردة مفيش دموع تاني.”

قمت وقفت.. الضعف مابقاش ليه مكان. دخلت أوضة النوم ألم هدومي وهدوم ابني.. وقررت أخد دهبي وفلوسي اللي كنت شايلاها للزمن، عشان الزمن طلع غدار بدري أوي.

 

وأنا بفتح درج مكتب ياسين السري عشان أخد باسبوراتي وورقي.. لقيت الصدمة اللي خلتني أضحك من كتر الوجع!

ظرف مقفول.. فتحته لقيت جواه “عقد بيع ابتدائي” لشاليه في الساحل! ياسين سحب كل فلوسنا اللي حوشناها سوا من شغلي وشغله في حسابنا المشترك، وكتب الشاليه باسم أمه وبنته “ليلى” بس.. وهما رايحين الويك إند ده عشان يستلموه ويحتفلوا بيه من غيري!

يعني حكاية “المصاريف تقلت واللحم الغريب” دي كانت مجرد حجة وتلكيكة عشان يطفشوني ويخلوني أعيش في ذل، وفي نفس الوقت يستفردوا بشقايا وتعب السنين!

النـ,ـار اللي

قادت في قلبي وقتها مكنتش نـ,ـار قهر، دي كانت ناـ,ـر نور بتطهرني من سذاجتي. السند اللي كنت ساندة عليه طلع حيطة مايلة ومسوسة، وحماتي مكنتش بس بتستخسر اللقمة في عيل يتيم، دي كانت بتخطط تسـ,ـرق أماننا.

لميت كل حاجة تخصني أنا وسيف.. كل حاجة حرفياً. وسبتله مفتاح الشقة على الترابيزة، وحطيت جنبه صورة لعقد الشاليه اللي كشف خسته، وكتبتله ورقة صغيرة بخط واضح:
> “وفرت عليك مصاريف اللحم الغريب.. بس صدقني، اللي بيبني سعادته على كسر قلب عيل يتيم، ربنا مابيباركلهوش في طوبة. فلوسي اللي سـ,ـرقتها مسامحة فيها واعتبرها صدقة على صحتي أنا وابني.. بس حقي في كرامتي أنا أخدته.. ورقة طلاقي توصلي على بيت أبويا، والمرة الجاية لما تحب تشتري رضا أمك، ابقى اشتريه بفلوسك مش بكسرة نفس مراتك!”
>

خدت ابني ونزلت.. الشارع كان لسه بيمطر، بس المرة دي المطر كان بيغسل روحي. حسيت إني خفيفة، كأني كنت شايلة جبل وانزاح من على كتافي.

الـنـهـايـة والـعـبـرة:
مرت السنين، واتعلمت إن الأمومة مش بس حضن دافي، الأمومة أحياناً بتبقى “مخالب” بتطلع وقت اللزوم عشان تحمي ولادها. وإن الراجل اللي مايحميش كرامة مراته وابنها، مايستاهلش يكون ضل تتسند عليه. سيف كبر في بيئة سوية بعيد عن السم اللي كان بيتسربله كل يوم، وأنا وقفت على رجلي واشتغلت وعوضته وعوضت نفسي. العوض الحقيقي مش في راجل يكمل الصورة والسلام.. العوض في إنك تكوني إنتي السند لنفسك ولولادك، وكرامتك دايماً تكون فوق أي اعتبار!

تمت.

. لو عجبتك القصه ادعمها بلایك وکومنت للاسمرار مع تحیاتی الکاتبه نور محمد

تم نسخ الرابط