شقى عمري ضاع.. وأمي رمتني
دفعت شقى عمري كله، ٥٠٠ ألف جنيه، عشان أنقذ أخويا من السجــن وأسدد ديون البيت… لكن المكافأة؟ لقيت هدومي مرمية على السلم زي الزبالة. أمي بصتلي بقسوة وقالتلي:
“إنتي كبرتي وبقيتي عبء وشؤم علينا… أخوكي هيتجوز في شقتك دي، غوري شوفي لك داهية تلمك!”
ورمت في وشي كوباية العصير… وأخويا قفل الباب في وشي وهو بيضحك مع خطيبته.
نزلت السلم وأنا منهارة ومكسورة… لكن لما طلعت الشارع ولقيت عربية “رولز رويس فانتوم” سودا واقفة مستنياني بباب مفتوح… اتصد.مت!
اسمي سلمى، واليوم اللي عيلتي رمتني فيه في الشارع بدأ زي أي يوم شقى وتعب عادي.
كنت بشتغل مهندسة ديكور، بس عشان أسدد ديون عيلتي كنت باخد شغل إضافي وبسهر باليومين من غير نوم. كنت لسه بايعة دهبي وواخدة قرض بـ ٥٠٠ ألف جنيه علشان أسدد ديون أخويا “طارق” اللي كان هيتحبس، وأدفع أقساط بيتنا القديم.
كنت دايماً بقول لنفسي: “الدم عمره ما يبقى مايه، ودول أهلي وسندي.”
يا ريتني ما صدقت الكدبة دي.
لما رجعت البيت بعد يومين شغل متواصل، كنت حاسة إن عضمي متكسر.
طلعت السلم وأنا بحلم بسريري… بس استغربت لما لقيت باب الشقة مفتوح نص فتحة، وفي صوت أغاني وضحك جاي من جوه.
البيت من برا زي ما هو… لكن على السلم كان في حاجة غريبة.
شنط سفري القديمة مرمية قدام الباب، وفوقيها هدومي متبعترة على الأرض بطريقة مهينة.
قلبي وقع.
دخلت الشقة وأنا مش مستوعبة… ريحة أكل حلو وبخور مالية المكان.
الصالون
لقيت أمي قاعدة بتحط إيدها على كتف طارق أخويا، وخطيبته قاعدة جنبهم بتضحك.
قلت بصوت بيرتعش:
“ماما… إيه اللي بيحصل ده؟ وفين حاجتي؟”
أمي لفتلي بوش خالي من أي رحمة أو حنية، نظرة عمري ما شفتها في عينيها قبل كده، وقالت:
“كويس إنك جيتي عشان تاخدي كراكيبك دي وتمشي.”
الكلام نزل على قلبي زي السكاكين.
قلت وصوتي مخنوق بالد.موع:
“أمشي؟ أمشي أروح فين؟ ده بيتي… وأنا لسه دافعة فلوس القرض علشان طارق ما يتسجـنش!”
طارق وقف وبصلي بتناكة وقال:
“بيتك إيه يا سلمى؟ الشقة دي خلاص بقت بتاعتي أنا وعروستي. إنتي كبرتي في السن وقاعدتك معانا ملهاش لازمة، بتجيبي النكد وبس.”
بصيت لأمي وأنا بستنجد بيها:
“يا ماما إنتي اللي طلبتي مني أبيع دهبي وأستلف علشانكم!”
قاطعتني أمي بزعيق وخبطت على الترابيزة:
“الفلوس دي حقنا عليكي! إنتي طول عمرك بتشتغلي وتصرفي على نفسك، وأخوكي أولى بيكي وبفلوسك علشان يبني مستقبله. مش هسيبك توقفي حاله علشان أنانيتك.”
في اللحظة دي خطيبة طارق ضحكت بصوت مستفز وقالت:
“يا طنط دي حتى ما باركتلناش على العفش الجديد!”
حسيت إن روحي بتتسحب مني… قربت خطوة عشان أتكلم وأدافع عن حقي، بس فجأة…
أمي مسكت كوباية العصير اللي قدامها ورمتها في وشي.
العصير غرق هدومي، ونزل على وشي مع دموعي اللي مقدرتش أحبسها.
الكوباية اتكسرت حتت على الأرض.
أمي شاورت على الباب وقالت ببرود
“خدي زبالتك اللي على السلم دي واطلعي برا يا سلمى… ومش عايزة أشوف وشك هنا تاني.”
وسكتت لحظة…
“النهاردة.”
وطارق راح هابد الباب في وشي بقوة.
وقفت ثواني قدام الباب المقفول، لميت هدومي في الشنط ودموعي بتنزل بصمت. نزلت السلم خطوة خطوة، كل خطوة كانت بتدفعني للانهيار التام.
لكن لما وصلت للشارع… رفعت عيني ولقيت عربية رولز رويس فانتوم سودا بتلمع واقفة قدام العمارة.
بابها اتفتح… ونزل منه شخص ما توقعتش أشوفه أبداً.
الباب بتاع العربية الرولز رويس اتفتح ببطء، ونزلت منه سيدة أنيقة جداً في أواخر الخمسينات، ملامحها هادية وفيها هيبة غريبة. بصتلي وابتسمت وقالت:
“سلمى؟ أنا فريدة المنشاوي… بقالي يومين بدور عليكي وتليفونك مقفول.”
وقفت مكاني مصدومة والدموع لسه على خدي. فريدة المنشاوي دي صاحبة أكبر مؤسسة هندسة وديكور في الشرق الأوسط! كنت بعتّلها تصميماتي في مسابقة دولية من شهور ونسيت الموضوع تماماً وسط ضغوطات عيلتي وديون أخويا.
قربت مني وبصت للشنط المرمية على الأرض، وبعدين بصتلي وقالت بحنية وكأنها فهمت كل حاجة من غير ما أتكلم:
“تصميماتك كسبت المركز الأول يا سلمى. أنا جيت بنفسي عشان أقد.م لك عرض تبقي المديرة الإقليمية لمشروعنا الجديد في القاهرة… مكانك مش في الشارع، مكانك في القمة. تعالي معايا.”
ركبت معاها العربية، وبمجرد ما الباب اتقفل، حسيت إن باب القديم من حياتي اتقفل للأبد.
بعد مرور سنة كاملة…
حياتي اتغيرت
وفي يوم، السكرتيرة دخلتلي المكتب وقالتلي إن في واحدة ست وشاب مصرين يقابلوني وحالتهم صعبة جداً.
لما دخلوا… كانوا أمي وطارق.
شكلهم كان متبهدل، أمي كبرت عشر سنين قدام، وطارق باصص في الأرض ومكسور.
عرفت بعدين إن خطيبته (اللي بقت مراته) استغلت فلوسه، خلته يكتب الشقة باسمها، وبعدين رفعت عليه قضـ ـية خلع وطردتهم هما الاتنين في الشارع! ورجعوا استلفوا فلوس تاني وتراكمت عليهم الديون.
أمي عيطت وقالتلي:
“سامحيني يا بنتي… أنا غلطت في حقك. إحنا ملناش غيرك، الشارع بهدلنا وطارق مهدد بالسجــن تاني. أنا عرفت قيمتك لما الدنيا دارت بيا.”
بصيت لهم، قلبي واجعني عليهم لأن في النهاية دي أمي وده أخويا، لكن عقلي كان رافض ينسى الإهانة وكوباية العصير اللي اترمت في وشي، ورفضهم ليا وأنا في أشد الحاجة ليهم.
قمت وقفت، وبكل هدوء قلت:
“أنا مش هسيبكم في الشارع، ومش هرد الإساءة بالإساءة. أنا هشتريلكم شقة صغيرة على قديكم تعيشوا فيها، وهسدد دين طارق عشان ميتسجــنش… بس دي هتكون آخر مرة.”
طارق بصلي بدموع وقال: “يعني هترجعي تعيشي معانا وتسامحينا يا سلمى؟”
رديت بحسم:
“لا يا طارق. أنا هعمل كده ابتغاءً لمرضات ربنا، وصدقة عن صحتي ومالي وستراً لأمي… لكن أنا حياتي بقت ملكي. علاقتنا
النهاية والخلاصة:
سبتهم يمشوا وأنا حاسة بسلام داخلي رهيب.