رسائل خفية خلف الزجاج
كانت مريم تجلس كل مساء في نفس المقهى الشعبي القريب من الجامعة، تختار دائمًا الطاولة المجاورة للنافذة الزجاجية الكبيرة المطلة على الشارع الصاخب، تفتح كتابًا سميكًا أمامها وتتظاهر بالقراءة، لكن عينيها لم تكن تتحرك بين السطور، بل كانت تائهة في الفراغ. كل يوم، تطلب من النادل فنجان قهوة، ثم تمر ساعة فتطلب ثانيًا، ثم ثالثًا، وتترك الفناجين كلها كما جاءت، ساخنة في البداية يتصاعد منها البخار، ثم تبرد تمامًا كأنها مجرد قطع ديكور على الطاولة الخشبية العتيقة، منتظرة شيئًا أو شخصًا لا يأتي أبدًا.
كان النادل شابًا يُدعى ياسين، يعمل في المقهى بعد ساعات دراسته الطويلة، ويتشارك مع مريم نفس الحرم الجامعي، لكنها لم تكن تلاحظ وجوده أو تلتفت إليه أبدًا. كان ياسين يراقبها منذ شهور، ليس بفضول عابر أو بنية سيئة، بل بقلق غريب استوطن قلبه وعجز عن تفسيره؛ فقد كانت مريم تعيش في عالمها الخاص، تضحك فجأة وحدها دون سبب، ثم ينقلب وجهها في لحظة واحدة إلى حزن عميق وجاف، وتنهمر دموعها بصمت كأن شخصًا خفيًا يجلس في المقعد الفارغ أمامها ويكلمها بكلام يمزق روحها. وفي كل مرة كان بعض الطلاب المستهترين يحاولون السخرية من تصرفاتها الغريبة، كان ياسين يتدخل بطريقة غير مباشرة لحمايتها، فيفتعل مشكلة معهم، أو يغير طاولتهم، أو يطلب منهم الصمت بحزم، دون أن تشعر هي بأنه يدفع عنها الأذى.
في أحد المساءات الخريفية، اقترب ياسين من طاولتها بهدوء، ووضع الفنجان الثالث أمامها، وثبّت نظراته
ارتبك ياسين وتراجع خطوة للخلف، لكنه استجمع شجاعته وقال أنا أعمل هنا كما ترين، لكنني أيضًا أدرس معك في نفس الجامعة، وأظن أنك لا تعرفين أنني أراك كل يوم وأتابعك. تجمدت ملامح مريم وظهر الخوف في عينيها، فسارع ياسين يهدئ من روعها قائلًا أرجوكِ لا أقصد أن أخيفك، أنا فقط أشعر منذ فترة طويلة أنك لست بخير، وأن هناك ما يؤذيك. سألته بحدة خافتة ونبرة متشككة ولماذا تراقبني من الأساس؟ أجابها بصراحة أربكته هو شخصيًا قبل أن تربكها لأنني أشعر أنك غريبة الأطوار، تضحكين فجأة وتحزنين فجأة، وأخاف أن يستغل أحد وضعك أو يؤذيك، وأنا في الواقع أفتعل المشاكل مع أي شخص يحاول السخرية منك في هذا المكان، وربما هذا تطفل مني وخطأ، لكنني لم أكن أتحمل رؤيتك وحيدة ومستهدفة بهذا الشكل.
ساد الصمت بينهما
نظرت مريم إلى الفناجين الثلاثة المرتبة أمامها وقالت بصوت يرتجف الفنجان الأول يعني أنني وصلت إلى المقهى بسلام، والفنجان الثاني يعني أنني خائفة ومحاصرة، أما الفنجان الثالث فيعني أنني ما زلت أنتظر من ينقذني من هذا الكابوس. شعر ياسين بقشعريرة باردة تسري في جسده بالكامل، وسألها بنبرة متوترة ينقذك من من؟ رفعت مريم يدها ببطء شديد وأشارت بأصبعها نحو الزجاج الخارجي للمقهى، حيث كان هناك رجل يرتدي معطفًا أسود طويلًا وقبعة تخفي ملامحه، يقف في الجهة المقابلة من الشارع المظلم، ويثبت نظراته الحادة عليها دون حراك.
همست مريم وعيناها تملؤها الدموع هذا الرجل يتبعني كظلي في كل مكان منذ اليوم الذي ماتت فيه أختي الكبرى. صُدم ياسين وسألها على الفور ولماذا لم تبلغي الشرطة وتطلبي الحماية؟ أجابته
تنهدت مريم وقالت إن أختي الراحلة كانت تعمل في هذا المقهى بالذات قبل وفاتها المفاجئة، وكانت تشعر أن هناك خطرًا يهدد حياتها، وقبل رحيلها بأيام قالت لي لو شعرتِ يوماً بالخطر أو حاصركِ هؤلاء الأشخاص، اذهبي إلى المقهى واطلبي ثلاث قهوات متتالية، فالشخص الوحيد الذي يعرف السر ويفهم معنى هذه الإشارة سيأتي لإنقاذك. سألها ياسين بصوت مرتجف يكاد يختفي ومن هو هذا الشخص الذي يعرف السر؟
مدت مريم يدها داخل حقيبتها ببطء، وأخرجت صورة فوتوغرافية قديمة ومتهالكة الأطراف، ووضعتها أمامه على الطاولة. كانت الصورة تجمع أختها الراحلة وهي تقف مبتسمة بجانب شاب وسيم يرتدي زي العمل الخاص بهذا المقهى. في تلك اللحظة، تجمدت الدماء في عروق ياسين وشعر بأن الأرض تدور به، وسقطت الصدمة على رأسه كالصاعقة، لأن الشاب الواقف في الصورة بجانب أختها لم يكن سوى أخيه الأكبر، الذي اختفى في ظروف غامضة منذ عام كامل، وأخبرتهم الشرطة وقتها أنه سافر فجأة، ولم يكن أحد من عائلته يعرف الحقيقة أو يعلم شيئًا عن علاقته