من قفل التلاجة إلى قاعة المحكمة

لمحة نيوز

"جوزي بكل جبروت ركب قفل ومتراس على باب التلاجة بمسامير، وبص لي بتكبر وقال: بما إن فلوسك ومكسبك على قدك، فالأكل اللي جوة التلاجة دي بتاعي أنا وبس ومفيش ليكي لقمة واحدة أصلًا بالقانون!.. كان فاكر إنه بالقفل ده بيكسر عزة نفسي ويربيني بالجوع، بس الليلة دي بالمظبوط، رجع البيت لقى ريحة الأكل الغالي مغرقة الصالة، وأنا قاعدة بمنتهى الثقة باكل إستاكوزا وجمبري جامبو، والرد اللي رديت به عليه خلاه يترعش في مكانه والمفتاح يقع من إيده من الصدمة اللي هتهد البيت كله فوق راسه!"

صوت الشنيور كان بيصرخ في مطبخ شقتنا بمصر الجديدة، والمسامير كانت بتدخل في باب التلاجة الأبيض بقسوة، وأنا واقفة أتحسر والدموع محجوزة في عيني، كأني بشوف حبل الجواز بيتقطع ميت حتة في نفس اللحظة.

عصام كان ماسك الشنيور ببرود يخوف. الراجل اللي شغال محاسب في شركة مراجعة، كان بيحسب اللقمة بالميزان والقلم؛ الكهربا، والغاز، وكيس المكرونة، وحتى علبة الزبادي.

وأنا شغالة مصممة حرة، يعني شهر الرزق يلعب معايا وشهر الحال يمشي بالستر، لكن عمري ما قصرت في نصيبي من الأقساط والمصاريف.

المرة الأولى اللي كسرني فيها قدام عيلته كانت في عزومة غدا. جيت أمد إيدي على سيخ كفتة من الطبق اللي جابه، راح ماسك إيدي قدام أمه وأخوه وقال:

"اللحمة دي محسوبة بالمظبوط لبروتيني، فريدة جابت معاها طبق السلطة، فتاكل سلطة بس!"

وأمه الحاجة

كريمة ضحكت وقالت:

"يا حبيبتي، الست اللي مكسبها قليل بتتعود ما تبصش للحاجة الغالية!"

وعصام غمز لي بتكبر كأنه بيديني درس بالعافية.

الحكاية كبرت لما رجع يوم ولقاني واكلة علبة زبادي من بتوعه بعد ست ساعات شغل متواصل، فقال بغِل:

"دي كانت بتاعتي.. إنتِ بتبوظي النظام!"

وتاني يوم الصبح لقيت القفل مدقوق في التلاجة ومعاه ورقة بخط إيده:

"أكلي ملكي.. والمخالفة لها عقاب بالقانون."

بصيت للقفل وبصيت للمفتاح اللي بيلعبه بين صوابعه وهو بيقول:

"لما تعوزي تاكلي، تطلبي مني. أفتح لك تاخدي حاجتك وأقفل."

ماكنتش أعرف إن الجشع والتحكم هيوصلوا لذل اللقمة.

لكن أنا ماعيطتش. دخلت على اللابتوب وفتحت حساب الشغل، وفجأة لقيت الدفعة الأولى من حملة دعاية لشركة في الخليج نزلت في الحساب.

في ثانية واحدة طلبت أكل بحري؛ إستاكوزا، وجمبري، وكابوريا. ووقفت في المطبخ والحلة بتطلع بخار وريحة التوم والزبدة بترد الروح.

وقعدت على التربيزة وبصيت للتلاجة المقفولة ورايا بسخرية.

عصام دخل البيت وهو مستني يشوفني مكسورة من الجوع، لكن أول ما شاف الأكل، وشه اتخطف وقال بعصبية:

"جبتِ الفلوس دي كلها منين؟!"

رفعت عيني ليه وأخدت رشفة من العصير وقلت بمنتهى البرود:

"من شغلي."

ضحك بسخرية:

"شغلك؟!"

فتحت اللابتوب قدامه، وورّيته التحويل البنكي والعقد والدفعة الأولى.

أرقام عمره ما شافها في حسابي قبل كده.

في

ثانية واحدة اختفت ابتسامته.

لكن الصدمة الحقيقية كانت لسه جاية.

مسحت إيدي بمنديل وقلت:

"على فكرة... القفل اللي ركبته على التلاجة أنقذني."

قطب حاجبيه وقال:

"يعني إيه؟"

ابتسمت لأول مرة.

"خلاني أفوق."

وسحبت ملف أزرق من درج السفرة وحطيته قدامه.

عصام فتح الملف، وبدأ لونه يتغير صفحة ورا صفحة.

كشف حساب.

صور.

إيصالات.

مستندات.

وتحويلات مالية.

قال بصوت متوتر:

"إيه ده؟"

قلت بهدوء:

"الحسابات اللي كنت مخبيها."

الحقيقة كانت أبشع مما تخيل.

من شهور طويلة بدأت ألاحظ إن جزءًا من مصروف البيت بيختفي، وإن فيه ديون غريبة بتظهر، وإن عصام دايمًا بيتحجج بأزمات مالية رغم إنه بيشتغل براتب ممتاز.

بدأت أراجع الأوراق، وبحكم شغلي في التصميم مع شركات كبيرة، كنت متعودة أتعامل مع العقود والحسابات.

واكتشفت المصيبة.

عصام كان غارقًا في قروض شخصية، وموقع على شيكات ضخمة، وبياخد تمويلات باسم مشروعات وهمية.

والأخطر من ده كله إنه استخدم بياناتي الشخصية أكثر من مرة للحصول على تسهيلات مالية من غير علمي.

عصام شهق وقال:

"إنتِ فتشتي ورايا؟"

قلت:

"لأ."

وبصيت له مباشرة.

"أنا أنقذت نفسي."

لأول مرة في حياته خاف بجد.

لأن الملف ماكانش عندي لوحدي.

كان عند محامي ومحاسب قانوني، ونسخ إلكترونية محفوظة.

قال بعصبية:

"إنتِ بتهدديني؟"

هزيت راسي.

"لا... أنا ببلغك."

وفي اليوم التالي

استيقظ عصام على مفاجأة أخرى.

شركة التمويل طالبت بمستحقاتها، وبنك أوقف بعض التسهيلات، ومراجعة قانونية بدأت في ملفات قديمة بعدما اكتشف أحد الشركاء وجود مستندات غير سليمة.

وبدأت الخيوط كلها تتكشف.

أما فريدة فاستأجرت شقة صغيرة جميلة في حي هادئ، ونقلت شغلها بالكامل هناك.

وأول شيء اشترته للشقة الجديدة لم يكن أثاثًا ولا أجهزة كهربائية.

بل كانت تلاجة كبيرة جدًا.

ولما العمال سألوها:

"تحبي نحطها فين يا أستاذة؟"

ضحكت وقالت:

"في أوضح مكان في البيت."

وبعد شهور بدأت شركتها تكبر، وعدد العملاء يزيد، والمشروعات تتوسع.

وفي إحدى الليالي كانت قاعدة في شرفتها تشرب القهوة وتراجع عقد مشروع جديد.

رن هاتفها.

كان عصام.

لأول مرة منذ شهور.

ترددت قليلًا ثم ردت.

صوته كان مختلفًا.

مكسورًا ومتعبًا.

قال:

"أنا خسرت كل حاجة."

سكتت لحظة ثم قالت بهدوء:

"لا... إنت خسرت كل حاجة يوم ما ركبت قفل على التلاجة."

سكت هو.

فأكملت:

"لأن المشكلة ما كانتش في الأكل... المشكلة إنك كنت فاكر إن الإهانة حق."

وأغلقت الهاتف.

ثم قامت من مكانها وفتحت التلاجة.

أخذت قطعة حلوى صغيرة وابتسمت.

لم تكن سعيدة لأن عصام خسر.

بل لأنها أخيرًا كسبت نفسها.

وعرفت أن الكرامة لا تُقاس بحجم الحساب البنكي، ولا بثمن الأكل على المائدة.

الكرامة تبدأ من اللحظة التي يرفض فيها الإنسان أن يُذل، حتى لو كان الذل

في لقمة.

وفي تلك الليلة جلست فريدة في بيتها الجديد، وسط نجاحها وشغلها وراحتها.

ونظرت إلى السماء وقالت بابتسامة هادئة:

"الحمد لله... القفل كان على التلاجة، لكن الحمد لله إنه ماكانش على روحي."

تمت.

تم نسخ الرابط