صنيع المعروف لا يضيع
في ذلك اليوم، ذهبت لزيارة أخي في بيته الجديد بمدينة الرياض، استقبلني بحفاوة بالغة كعادته وأكرمني، وأثناء جلوسنا نظرت إلى ساعتي فلاحظت أن وقت صلاة العشاء قد اقترب ولم يتبقَ عليه سوى نصف ساعة. أخبرت أخي بأنني سأتوجه إلى المسجد، فقال لي مبتسماً إن الوقت ما زال مبكراً والأذان لم يرفع بعد، لكني فضلت الذهاب مبكراً لأصلي ركعتي تحية المسجد وأقرأ شيئاً من القرآن في هدوء وسكينة.
عندما دخلت المسجد وجدته خاوياً تماماً، فصليت الركعتين ثم أخذت مصحفاً وجلست في زاوية أرتل الآيات. بعد دقائق معدودة، انقطع الصمت بدخول صبي صغير لم يتجاوز العاشرة من عمره، كان يرتدي ثياباً بسيطة ونظيفة، ألقى عليّ السلام بصوت خافت فرددت عليه بابتسامة. تقدم الصبي وصلى ركعتين، ثم جلس لحظة، وعاد يصلي مجدداً، لكنه هذه المرة أطال السجود إطالة عجيبة استثارت فضولي بشكل كبير، فكيف لطفل في مثل هذا العمر أن يمتلك هذا الخشوع والتعلق وكأن بينه وبين خالقه سراً عميقاً لا يعلمه أحد.
دفعني الفضول وحب الاستطلاع، فنهضت بهدوء شديد واقتربت منه حتى صرت خلفه مباشرة، لعلني أسمع ما يهمس به في سجوده الطويل. وما إن التقطت أذناي كلماته، حتى شعرت بقشعريرة تسري في جسدي وفقدت قدرتي على التماسك. كان الصبي يبكي بنشيج يمزق القلوب وهو يقول: "يا رب، أبي أوصاني قبل أن يموت أن آتي إليك كلما احتجنا شيئاً، وها أنا جئتك محتاجاً، ذليلاً،
ظلت دموعي تنهمل وأنا أستمع إلى مناجاته الطاهرة، ووقفت عاجزاً عن الحركة، متسائلاً إن كان عليّ التراجع أم البقاء. عندما أنهى الصبي صلاته، مسح دموعه بسرعة فائقة بعزة نفس بالغة، كأنه يرفض أن يرى أحد ضعفه، ثم همّ بالخروج سريعاً. ناديته بصوت حنون: "يا بني، انتظر لحظة". التفت إليّ وعلامات الوجل تكسو وجهه الصغير، فهدأت من روعه وسألته بلطف عن مكان بيتهم، فأجاب بتردد بأنه قريب جداً من المسجد. سألته إن كانت والدته تعلم بمجيئه، فقال بصدق ويقين: "نعم، هي قالت لي لا تطلب من الناس شيئاً، فقلت لها لن أطلب من البشر، سأذهب وأطلب من الله". هنا ارتجف قلبي وتملكتني عبرة خانقة، فقلت له: "وأنا عبد من عباد الله، ربما أرسلني الله إليك الليلة لتكون إجابة لدعائك".
أخذت بيده على الفور وعدت به إلى بيت أخي، وقصصت عليه ما سمعت رأي العين. لم يتردد أخي للحظة، بل قام مسرعاً وجمع من البيت ما طاب من طعام ومؤن، ووضع في جيب الصبي مبلغاً من المال، ثم انطلقنا معه مرشدين بخطواته الصغيرة نحو منزلهم. كان
تفقدنا البيت فإذا هو خاوٍ تماماً من أبسط مقومات الحياة، لا ثلاجة تحفظ طعاماً، ولا خزائن تحوي قوتاً، ولا شيء يشي بأن هناك عائلة تعيش هنا بكرامة سوى تعففهم الشديد. سألت الأم بنبرة حزينة عن زوجها الراحل، فبكت وقالت إنه توفي قبل شهرين فقط، وأنه كان رجلاً صالحاً يغرس في ابنه دائماً مبادئ العزة والكرامة، ويعلمه ألا يذل نفسه لمخلوق، وأن يطرق باب الله أولاً وأخيراً كلما ضاقت به السبل. وهنا التفت إليّ الطفل الصغير وابتسامة الأمل ترتسم على ثغره قائلاً: "ألم أقل لك يا عمي؟ أبي قال لي إن الله لا ينسى من طرق بابه أبداً". احتضنته وأنا أبكي بحرقة وقلت له: "صدق أبوك يا بني، والله لقد صدق".
اتفقنا أنا وأخي في تلك اللحظة على أن نتكفل بجميع مصاريف هذا البيت بشكل كامل، واشترينا لهم مؤناً غذائية تكفيهم لأشهر طويلة، وبدأنا نخطط للبحث عن عمل شريف ومناسب للأم يسد حاجتهم ويوفر لهم حياة كريمة مستدامة. ولكن، بينما كنت ألتفت حولي في أرجاء الغرفة البسيطة، وقعت عيناي على صورة
لقد كان صاحب الصورة هو ذاته الرجل النبيل الذي أنقذ حياتي قبل سنوات طويلة في حادث سير مروع على طريق سريع، حيث أخرجني من السيارة قبل احتراقها بلحظات، ونقلني إلى المستشفى، ثم اختفى فجأة قبل أن أتمكن حتى من معرفة اسمه أو رد جميله. التفت إلى الأم وصوتي يتهدج من شدة الصدمة والجهش بالبكاء وقلت لها: "يا أمي، إن لزوجك الراحل ديناً عظيماً في رقبتي منذ سنوات، واليوم لم يرسلني الله إليكم صدقة، بل أرسلني لأرد الدين لأولاده وعائلته في وقت حاجتكم".
وفي تلك اللحظة المؤثرة التي تجلت فيها عظمة التدبير الإلهي، سارع الطفل الصغير نحو مصحف أبيه القديم، وأخرج من بين صفحاته ورقة مطوية بعناية، ومد يده بها إليّ وهو يقول: "أبي كتب اسمك هنا يا عمي بعد الحادثة، وقال لنا: إذا ضاقت بنا الدنيا يوماً وانقطعت الأسباب، فابحثوا عن هذا الرجل، فإنه رجل أصيل لن ينسى المعروف، وإن لم تجدوه، فإن الله سيأتي به إليكم". أخذت الورقة وأنا أشهق بالبكاء، وضمتني مع أخي والطفل لحظة عناق دافئة اختلطت فيها دموع الفرح بدموع الوفاء، مدركين تماماً أن صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وأن الله سبحانه وتعالى لا يضيع أجر من أحسن عملاً، ويسبب الأسباب من حيث لا يحتسب البشر ليرد الجميل لأهله ولو بعد حين.