يقين طبيب ودعاء جوهرة

لمحة نيوز

كان لي ابن وحيد يدرس الطب في الخارج، وكنت أحمد الله أن حالتي المادية جيدة، فقررت أن أجهز له شقة كاملة يعود إليها بعد الجامعة، ليفتح عيادته، ويتزوج، وتطمئن عيني عليه. لكن ابني بعدما سافر واحتك بالدنيا، تغيّر تفكيره في الزواج، وصار يقول لي دائمًا: "أهم حاجة عندي شغلي، والزواج مش لعبة". كنت أفتح معه الموضوع كل فترة، فيضيق صدره ويرد بهدوء: "يا بابا، أنا مش عايز أتجوز أي واحدة وخلاص". عرضت عليه بنات كثيرات من معارف وأقارب، جميلات ومتعلمات ومن بيوت محترمة، لكنه رفضهن جميعًا بلا استثناء. وفي النهاية قلت له: "طيب صف لي أنت البنت التي تريدها، وأنا أبحث عنها".
بدأ يعدد صفات شعرت معها أنني أبحث عن إنسانة من زمن آخر، لا من هذا الزمن. قال إنه يريد زوجة هادئة، صالحة، لا تبحث عن صراع ولا مظاهر، ولا يشترط أن تعمل، بل تكون راضية ببيتها وأولادها. قال إنه يريد امرأة إذا عاد من العمل يجد بيته نظيفًا وهادئًا، ولبسها محتشم، وقلبها واسع، وتربي أولاده على الدين والرحمة والسلام النفسي. قلت له: "يا ابني، الزمن صعب، والبنت بالمواصفات دي بقت نادرة جدًا". ابتسم وقال: "حضرتك بتتكلم يا بابا كأن أمور الكون في إيدك، ربنا لا يعرف المستحيل، من دعا بيقين رأى تدبيرًا يعجز عنه البشر". سكتُّ وقتها، وشعرت لأول مرة أنني أنجبت ولدًا ليعلمني لا لأعلمه فقط.
مرت سنتان وأنا أبحث له عن عروس ولا أجد من يطمئن لها قلبي ولا قلبه. وفي يوم اكتملت الشقة، وبدأت أبحث عن عامل محارة أمين، فدلني أكثر من شخص على رجل بسيط طيب، سعره رخيص، ورحيم بالناس. اتصلت

به، فجاء إلى الشقة، رجل في الخمسين، هادئ الوجه، وعيناه فيها انكسار غريب. دار في الشقة، ثم أعطاني سعرًا قليلًا جدًا لدرجة أنني قلت في نفسي: "أين مكسب هذا الرجل؟". وبعد أن اتفقنا، اقترب مني بخجل وقال: "أريد أن أطلب منك خدمة صغيرة يا حاج". قلت له: "اتفضل يا طيب". قال وهو يبلع ريقه: "لا أريد أحدًا يدخل عليّ الشقة أثناء شغلي، واسمح لي أقفل الباب على نفسي حتى أنتهي". استغربت وسألته: "لماذا؟ هل تخفي شيئًا؟". ارتبك وقال: "لا والله، لكن معي بنتي تساعدني في الشغل، ولا أحب أن يراها أحد أو يتكلم عنها الناس".
تجمدت للحظة، ثم قلت: "بنتك تعمل معك في المحارة؟". خفض عينيه وقال: "أبوها مريض، وهي سندي الوحيد، درست قليلًا ثم تركت التعليم لتساعدني، لكنها والله بنت بألف رجل". وافقت بشرط أن أطمئن فقط، ففتح الباب ونادى عليها. خرجت فتاة في أوائل العشرينات، بملابس واسعة متواضعة، ووجه هادئ، وعيون لا ترفعها في وجه أحد، تحمل في يدها أدوات العمل كأنها تحمل قدرها بلا شكوى. قال الرجل: "هذه ابنتي رحمة، تعمل معي حتى نوفر علاج أمها، ولا نمد أيدينا لأحد". وقفت الفتاة بأدب وقالت: "السلام عليكم يا عمي". رددت السلام، وشعرت براحة غريبة دخلت قلبي من أول كلمة.
بدأ الأب وابنته العمل، وكنت أذهب أحيانًا لأطمئن من الخارج دون أن أقتحم خصوصيتهم، فأسمع صوتها تقرأ قرآنًا أثناء العمل أو تحدث أباها برفق. كانت تنظف المكان بعد كل يوم كأن الشقة بيتها، وتضع الأدوات في نظام عجيب، ولا تترك أثرًا للفوضى. وفي يوم نسيت ملفًا مهمًا داخل الشقة، فطرقت الباب، وبعد
إذن دخلت، فوجدت رحمة تجلس في ركن بعيد تعلم طفل البواب القراءة أثناء استراحة أبيها. قالت بخجل: "الولد نفسه يتعلم، فقلت أساعده بدل ما نقعد بلا فائدة". في تلك اللحظة شعرت أن دعاء ابني يتحرك أمام عيني في صورة فتاة بسيطة لا يعرف عنها أحد.
اتصلت بابني في الخارج، وحكيت له عنها دون أن أذكر جمالًا أو مالًا، فقط حكيت عن قلبها وسترها وبرها بأبيها. سكت طويلًا ثم قال: "يا بابا، لا تتسرع، اسأل عنها جيدًا، فإن كانت كما تقول فربما هذا تدبير ربنا". سألت عنها في منطقتها، فوجدت الناس لا يذكرونها إلا بخير، بنت تعمل لتستر بيتها، تحفظ القرآن، وترفض أي طريق سهل فيه شبهة. لكن المفاجأة بدأت عندما انتهت المحارة، ورفض أبوها أن يأخذ زيادة على أجره رغم أنني أصررت. قال: "نحن اتفقنا على مبلغ، والبركة في الحلال، لا في الزيادة". وفي اليوم الأخير، سقط من شنطة رحمة دفتر صغير، فالتقطته لأعيده لها، لكن عيني وقعت على صفحة مكتوب فيها دعاء غريب. كانت تدعو: "يا رب ارزقني زوجًا طبيبًا يعالج أمي ويكون رحيمًا لا متكبرًا، ولا تجعل فقري سببًا لذلي". ارتجفت يدي، لأن هذا الدعاء كان يشبه دعاء ابني تمامًا ولكن من الجهة الأخرى.
وعندما جاء ابني إجازة ورآها صدفة وهي تخرج مع أبيها من الشقة، توقف في مكانه كأنه عرفها قبل أن يراها. لم يتكلم معها، لكنه قال لي بعد دقائق: "يا بابا، قلبي ارتاح". ذهبت لخطبتها من أبيها، فبكى الرجل وقال: "كنت أخاف أن يراها الناس عاملة محارة، ولا يروها جوهرة". لكن الصدمة الأكبر جاءت عندما جلسنا للاتفاق، ودخلت أم رحمة المريضة، وما
إن رأت ابني حتى صرخت باسمه القديم. نظرنا إليها مذهولين، فقالت وهي تبكي: "هذا الطفل أنا أنقذته يوم كان رضيعًا في المستشفى، قبل أن يسافر أهله به". تجمد ابني، وأخرجت المرأة من صندوق قديم سوار مولود عليه نفس اسمه وتاريخ ميلاده، وقالت: "كنت ممرضة يومها، وأعرف سرًا عن ولادته لم يخبركم به أحد".
وقبل أن نفيق من الصدمة، كشفت الأم عن الحقيقة التي حبست أنفاس الجميع. قالت والدموع تنهمر من عينيها: "ابنكم لم يولد وحده كما ظننتم طوال هذه السنوات، بل كان له توأم حقيقي أخذته عائلة أخرى في نفس الليلة بعد أن اختفى في ظروف غامضة من المستشفى بسبب خطأ وتواطؤ إداري كبير حدث آنذاك". لم تكن المفاجأة مجرد سر قديم، بل كانت الصدمة الكبرى عندما التفتت الأم إلى ابنتها رحمة وقالت: "والعائلة التي تبنت التوأم الآخر واختفت، كانت تقطن في نفس الشارع الذي يقع فيه منزلنا القديم، وقبل سنوات طويلة، انقطعت أخبارهم، لكنني احتفظت بهذا السر وأوراق المستشفى الرسمية على أمل أن يجمع القدر بين الأخوين يومًا ما".
انقلب مجلس الفرح إلى ذهول وبكاء، واختلطت مشاعر صدمة الماضي بفرحة الحاضر. أدرك الابن الطبيب أن عودته إلى مصر وتجهيز الشقة لم يكن مجرد صدفة، بل كان رحلة قادها تدبير إلهي عجيب ليعود إلى جذوره، ويلتقي بنصفه الآخر الذي تمنى مواصفاته في زوجته، ويبدأ رحلة البحث عن شقيقه التوأم المفقود. وهكذا تجسدت معجزة اليقين والدعاء، وتأكد الجميع أن من ترك أمره لله، ساقه القدر إلى أبواب لم يكن ليتخيلها، لتنتهي الحكاية ببداية حياة جديدة ملؤها الأمل والبحث واليقين.

 

تم نسخ الرابط