سر حماتی الخطیر من حکایات نور محمد

لمحة نيوز

كنت فاكرة إن حماتي بتسرق لحمة العيد وتعب جوزي عشان تديها لابنها العاطل.

كنت فاكرة إن الأوضة المقفولة بجنزير فوق السطوح دي، هي الدليل القاطع على خيانتها لبيتنا ولابنها اللي شقيان طول السنة.

وكرهت نفسي لأني في يوم من الأيام نمت في سريري وأنا بدعي عليها من حرقة دمي.

​أنا اسمي “ندى”، عندي ٣٠ سنة، متجوزة من “عمر” وعايشة معاه في الدور الأول في بيت عيلة في إمبابة. معانا طفلين مطلعين عيني، وجوزي شغال ورديتين في مصنع عشان يقدر يسد احتياجاتنا في الغلا ده.

أيامي كانت عبارة عن طبيخ، غسيل سلم، محايلة في العيال، وإحساس دايم إن عمري بيتسرق مني.

​رغم ظروفنا، عمر مابيرفضش طلب لأمه “الحاجة زينب”.

ست شديدة، كلمتها سيف على رقبة الكل، ومن يوم ما حمايا مات وهي اللي ممشية البيت بالمسطرة. لما قرب العيد الكبير، عمر استدان وحط كل تحويشة السنة عشان يشتري أضحية محترمة. كنت متضايقة، كنا محتاجين الفلوس دي عشان قسط المدارس، بس حماتي قالتلي بحدة: ”دي فدو

عن صحة جوزك وعيالتك، واللي بيستخسر في الدم ربنا بيبتليه في اللحم.”

​سكتّ.. بس من قبل العيد بشهرين، بيت العيلة حاله اتشقلب.

حماتي اللي كانت مالية البيت بصوتها وحركتها، اختفت.

الأوضة القديمة اللي فوق السطوح اللي كانت مليانة كراكيب، ركبتلها جنزير وقفل جديد وبقت مفتاحها في صدرها مابيطلعش.

بقت تاخد صواني الأكل كاملة وتطلع بيها السطوح وتقفل على نفسها بالساعات، وتنزل بالصواني فاضية ممسوحة.

​في البداية، عمر ماكنش واخد باله، بس أنا عيني كانت عليها.

حماتي خست بشكل يخض. جسمها المليان بقى عبارة عن عضم مكسي بجلد شاحب. عينيها دخلت لجوة وبقى فيها رعب وزيغان طول الوقت. بطلت تنام بالليل، كنت بسمع خطواتها رايحة جاية في الصالة فوقينا، وأوقات بسمع صوت همس وبكا مكتوم جاي من السطوح.

​على دخلة العيد، اختفت فلوس من درج عمر.

عمر اتجنن، بس حماتي قالتله ببرود: ”أنا خدتهم، احتجت أجيب بيهم حاجات لله.”

​قلبي اتملى غل. أنا عارفة هي بتعمل إيه. أخو عمر الصغير

“حسن” كان عاطل وبتاع مشاكل وطردوه من البيت من سنتين، وكنت متأكدة إنها بتسرق أكلنا وفلوس جوزي عشان تصرف عليه ومخبياه فوق السطوح.

​بالليل حكيت لعمر.. بس مالحقش يخليني أخلص كلامي.

”اقطعي لسانك يا ندى!” زعق فيا لحد ما العيال صحيوا، ”دي أمي! لحم كتافي من خيرها، تاخد اللي هي عايزاه.”

”بس دي بتسرق تعبك وتدي للي مايستاهلش! وبتدبل قدام عنينا!”

بص لي بحدة وقال: ”لو جبتي سيرة السطوح دي تاني، اعتبري نفسك طالق.”

​الكلمة دي وجعتني وخلتني أصرخ من جوايا.. طالق عشان بدافع عن حق عياله؟

كرهتها أكتر، والشك لما بيدخل العقل بياكله زي الدود.

قررت إني لازم أكشفها وأفضح اللي بتعمله.

​لحد ما جت ليلة وقفة عرفات.

البيت كله كان مقلوب بيجهز للدبح الصبح. عمر نام من التعب، والعيال ناموا. طلعت السطوح عشان أنشر غسيل، والمفاجأة إن حماتي نسيت تقفل القفل. الباب كان موارب، وطالع منه ريحة غريبة.. ريحة كمكمة ومرض، وصوت أنفاس تقيلة أوي بتسحب الروح.

​قلبي

كان بيدق زي الطبل. زقيت الباب برجلي وفتحت النور فجأة.

حماتي كانت قاعدة على الأرض، هدومها متبهدلة، وحاضنة حاجة كبيرة متغطية ببطانية قديمة، وبتحاول تأكلها من صينية الأكل بيديها اللي بترتعش.

​المنظر خلاني أفقد أعصابي.

”مخبية إيه؟” صرخت فيها بصوت صحى جيران السطوح اللي جنبنا.

لفت لي ببطء.. وشها كان أبيض زي الكفن، وعينيها فيها رعب الدنيا، بس مادافعتش عن نفسها.

ده غاظني أكتر.

”جوزي شقيان طافح الكوتة، وانتي بتسرقي تعبه ولحمة عياله عشان تخبي ابنك الفاشل هنا؟ في بيتي؟ الناس هتقول علينا إيه يا حاجة؟”

​حماتي ماردتش عليا، بس شدت البطانية أكتر على الحاجة اللي في حضنها وكأنها بتحميها بروحي، مش بتحمي نفسها.

بصتلي وعينيها مليانة دموع وقهر السنين، وقالت بصوت واطي ومكسور زي الإزاز:

”لو كشفتي البطانية دي وشوفتي إيه اللي أنا مخبياه وبأكله من لحمي قبل لحمكم يا ندى… هتركعي تحت رجلي تطلبي السماح على كل كلمة قولتيها.”

​وقفت مكاني متسمرة، الكلمة

نزلت على قلبي زي حتة تلج. إيدي اللي كانت ممدودة عشان تشد البطانية، بدأت تترعش وتتراجع.
 

تم نسخ الرابط