حماتي وفلوس الجمعية حكايات انجى الخطيب

لمحة نيوز

غسالتي باظت بقالها فترة وكنت بغسل على إيدي هدومي وهدوم جوزي وولادي، وحماتي اللي كانت قاصدة تغيّر كل ساعة هدومها بحجة إنها بتحب تقعد بهدوم نضيفة.

لحد ما دخلت جمعية من فلوس شغلي وقبضتها، وقلت الحمد لله هشتري غسالة جديدة وأريح إيدي اللي اتهرت بقالها شهور في الغسيل، بس اللي حصل كان عكس اللي حلمت بيه.

حماتي قالت لجوزي إن بنت أختها هتتجوز وعايزة تنقطها وتجيبلها حاجة في جهازها، قالها: “معيش يا أمي، مرتبي على قد مصاريف البيت والولاد”. قالتله: “مراتك لسه قابضة جمعية وأنا شوفتها حطت ظرف الفلوس في الدولاب، هاتهم، وأهو كله من فلوسك وخيرك، يعني هي كانت بتدفع فلوس الجمعية منين؟”.

رجعت من شغلي وأنا مبسوطة إني لاقيت عرض في محل غسالات حلو، وقلت آخد الفلوس وأروح أشتري الغسالة. بفتح الدولاب ملقتش الفلوس، بقيت زي المجنونة. فكرت حد من الولاد لاقاها وخدها يلعب بيها، جريت على الولاد أسألهم وهما بمنتهى البراءة مش فاهمين، وأنا ماسكة بنتي وبحاول أسألها، ببص من بعيد لقيت الظرف أهو، كان فيه الفلوس جنب حماتي، وحماتي ماسكة الفلوس وبتعدها.

روحت جريت عليها وقلتلها: “هما الولاد كانوا بيلعبوا بيهم وحضرتك لاقيتيهم؟ شكراً إنك أخدتيهم منهم”.

لاقيتها بصتلي بقرف وقالتلي: “ولاد مين ولعب إيه؟ دي فلوس ادهالي ابني حبيبي عشان أشتري بيها حاجات تنفع”.

وبوقي اتفتح من الصدمة، قولتلها: “بتقولي إيه؟ دي فلوس الجمعية بتاعتي اللي قبضتها عشان أجيب الغسالة بدل اللي باظت، وبقالي شهور بغسل على إيدي”.

في اللحظة دي دخل جوزي من باب الشقة، لقيت حماتي راحت معيطة وقالت: “إنتي

بتشتميني وبتعلي صوتك عليا، وأنا ماليش ذنب، أحمد ابني اداني الفلوس دي”.

دخل جوزي جري على أمه اللي منهارة بالكذب، وزعق فيا جامد وقال: “إنتي إزاي تعملي في أمي كده؟ أنا اللي اديتلها الفلوس”.

قولتله: “بس دي فلوس جمعيتي اللي هشتري بيها الغسالة”.

قالي: “وفلوسك دي جيباها منين؟ مش من فلوسي اللي بديهالك؟”.

اتغظت منه لأنه عارف إن مصروف البيت يادوب مكفي بالعافية، وأنا كمان بساعد معاه فيه، ويقولي بدفع فلوس الجمعية منها! روحت رديت عليه وقلتله: “لا، دي من فلوس شغلي اللي مسكت إيدي بالعافية عشان أقدر أدخل جمعية وأقبضها وأجيب الغسالة”.

حماتي هنا مسكتتش وقالت: “إنتي قصدك إن ابني مش مكفيكي؟ ما تغوري تسيبي الشقة وتفارقينا”.

حسيت وقتها إني بتطرد من بيتي وقلبي وجعني، رديت عليها وقلت: “ده بيتي وأنا حاضنة، والضيف اللي مش عاجبه يتفضل يمشي يرجع بيته”.

راحت حماتي عملت نفسها بتعيط وقالت: “الحقني يا ابني، مراتك بتطردني من بيتك”.

جوزي الدم سخن في عروقه وقرب مني ورفع إيده وضربني قلم على وشي نزل زي الصاعقة، الدنيا لفت بيا للحظة ومبقتش سامعة غير طنين في ودني.

وقال: “إنتي اتجننتي؟ بتطردي أمي من بيتي؟ ده أنا أطردك إنتي، اطلعي بره بيتي”.

بصيتله والدموع محبوسة في عيني، القلم وجع كرامتي قبل ما يوجع وشي. حماتي كانت وراه بتمسح دموعها المزيفة وبتبصلي بنظرة انتصار.

قولتله: “بره؟ بتطردني عشان دافعت عن حقي؟ عشان سكت على تعبكم وخدمتكم؟ ماشي يا أحمد، البيت ده بيت ولادي وأنا مش هسيبه، بس إنت وأمك مبقاش ليكم مكان في قلبي”.

دخلت الأوضة ولميت هدومي وهدوم ولادي

بسرعة، والولاد كانوا مرعوبين من الزعيق. أخدتهم وخرجت من الشقة وأنا عيني على حماتي اللي كانت بتعد الفلوس بدم بارد، وجوزي واقف مديهالي ضهره.

ركبت تاكسي وروحت بيت أمي. أول ما شافتني بالحالة دي حضنتني وأنا انفجرت في العياط، وحكيتلها كل اللي حصل. أخويا كان مولع من الغضب وقال: “والله ما هسيب حقك”.

قعدت عند أمي أسبوع، وأحمد تليفوناته مبتوقفش. الأول كان بيزعق ويهدد، وبعد ما أخويا رد عليه وقاله إن القانون هو اللي هيحكم، بدأ صوته يهدى ويتمسكن.

بعد عشر أيام خبط الباب، فتحنا لقيناه واقف ومعاه كرتونة كبيرة. دخل وقال بصوت واطي: “أنا آسف يا هدى، الغسالة أهي، أحسن نوع، جبتها بفلوس الجمعية وزودت عليها من عندي”.

بصيتله ببرود وقلت: “الغسالة دي رجعها يا أحمد، وهاتلي ظرف فلوس جمعيتي كامل زي ما أمك خدته. الغسالة دي أنا هشتريها من شقايا”.

قال: “اللي تؤمري بيه، بس ارجعي عشان الولاد”.

قولتله: “هرجع عشان ده بيتي وبيت ولادي، لكن أمك ترجع بيتها ومتبقاش مقيمة معانا، ويتحط حدود واضحة، وإيدك دي لو اتمدت عليا تاني هتبقى آخر يوم ليك في حياتي”.

وافق وهو مكسور، وعرف إن الست اللي بتستحمل وتصون بيتها، لما كرامتها بتتجرح بتبقى إنسانة تانية خالص.

بعد يومين جالي بظرف الفلوس كامل، وكمان تعهد إنه مش هيمد إيده عليا تاني، ولا حد يتدخل في فلوسي.

رجعت بيتي، لكن رجعت واحدة تانية خالص. أول حاجة عملتها إني نزلت اشتريت الغسالة الجديدة بفلوس تعبي.

يوم ما الغسالة وصلت البيت كنت واقفة فرحانة، مش بس عشان ريحت إيدي، لكن لأنها كانت رمز لكرامتي اللي رجعتلي.

حماتي رجعت

بيتها، ومبقتش تيجي غير زيارات خفيفة، وأحمد بقيت أشوف في عينه احترام وخوف من زعلي.

عرفت يومها إن الست هي اللي بتحدد قيمتها، وإن السكوت على قلة التقدير بيخلي الناس تتمادى، لكن لما تاخدي موقف الكل يعملك حساب.

مرت الأيام، والغسالة بقت شغالة في البيت وصوتها بالنسبالي كان لحن انتصار. أحمد اتغير معايا تماماً، بقى يحاول يرضيني بأي طريقة، وأنا بقيت أتعامل بهدوء وحساب.

وفي يوم قاللي: “أمي تعبانة ونفسها تشوف الولاد”.

قولتله: “أمك على عيني ورأسي، والولاد يروحوا يزوروها، لكن أنا لسه كرامتي بتلملم نفسها”.

ومن يومها حياتي اتنظمت. فلوس شغلي بقيت أحوشها باسمي، ومبقاش حد له دعوة بقرش يخصني.

حماتي لما لقتني بقيت قوية وتحط حدود، اتغيرت وبقت تحترمني وتعملّي حساب.

وفي ليلة وأنا في المطبخ، حطيت إيدي على الغسالة وابتسمت، وعرفت إن الست اللي تعرف قيمة نفسها محدش يقدر يكسرها.

فاتت سنين، وأحمد اتعلم الدرس، وبقى يقدّرني ويحترمني، وحماتي بقت تيجي بالمعروف.

وفي يوم بنتي قالت: “ماما، مش هنجيب غسالة أطباق؟”.

بصيت لأحمد، لقيته ابتسم وقام حط فلوس على الترابيزة وقال: “المرة دي أنا اللي هجيبها، هدية لأمك ست البيت اللي استحملت كتير”.

وقتها حسيت إن الوجع القديم اتمسح، مش عشان الغسالة، لكن عشان التقدير اللي رجع.

أحمد بص للولاد وقال: “يلا ننزل نختار الغسالة الجديدة ونحتفل”.

الولاد جريوا يلبسوا، وأحمد مسك إيدي وباسها وقال: “سامحيني يا هدى”.

ابتسمت، وحسيت إن الست اللي اتكسرت زمان مبقاش لها وجود، وإن اللي واقفة دلوقتي ست قوية وعارفة قيمتها كويس.

خرجنا

كلنا وإحنا مبسوطين، وقفلنا باب الشقة ورانا على حياة جديدة، مفيهاش غير الاحترام والتقدير.

تمت.

تم نسخ الرابط