مخدة عم رمضان
حمايا مكنش ليه معاش، واهتميت بيه من كل قلبي لمدة 12 سنة. وفي أنفاسه الأخيرة، مسك إيدي وإداني مخدة مقطوعة وقالي: "دي ليكي يا مريم". ولما فتحتها، مكنتش قادرة أظبط دموعي من كتر البكا.
أنا مريم، وبقيت مرات ابن العيلة دي وأنا عندي 26 سنة. وقتها، كانت عيلة جوزي مرت بظروف صعبة كتير؛ حماتي ماتت وهي لسه صغيرة، وسابت حمايا، عم رمضان، يربي أربع عيال لوحده. حياته كلها قضى يزرع في الأرض ويشقى، وعمره ما اشتغل شغلانة حكومية تضمن له مكافأة أو معاش.
على ما اتجوزت ابنه، كان تقريباً كل ولاد عم رمضان اتجوزوا وعملوا بيوت، ومبقوش بيجوا يزوروه إلا نادراً. وباقي عمره بقى معتمد بالكامل علينا، أنا وجوزي.
كنت دايماً أسمع الجيران بيوشوشوا ويقولوا: "حرام والله! دي مجرد مرات ابنه وشايلة همه كأنها خدامة عنده، مين دي اللي تقعد تخدم حماها العمر ده كله؟"
بس أنا كنت شايفه الموضوع بشكل تاني خالص؛ الراجل ده كان أب ضحى بعمره كله عشان عياله، لو أنا كمان اتخليت عنه، مين اللي هيراعيه؟
الـ
في مرة من المرات، ومن كتر التعب، قلت له: "يا عم رمضان، أنا مجرد مرات ابنك... ساعات بحس بحمل تقيل قوي على صدري."
ابتسم في هدوء وطبطب على إيدي اللي كانت بترتعش وقالي: "عارف يا بنتي، وعشان كده غلاوتك عندي ملهاش حدود. لو مش إنتي، كان زماني مش موجود في الدنيا دي دلوقتي."
عمرى ما نسيت الكلمتين دول، ومن ساعتها وعدت نفسي أعمل كل اللي أقدر عليه عشان أريحه. في كل شتا، كنت بشتري له لبس تقيل وبطاطين تدفيه، ولما تعب، كنت أعمله لقمة دافية ياكلها، ولو رجله وجعته، أقعد أدلكهاله بحنان.
عمرى ما فكرت هاخد إيه في المقابل أو هيسيب لي إيه، كنت بعمل كده لأني اعتبرته زي أبويا بالظبط.
ومع الوقت، عم رمضان بقى أضعف وأضعف، ولما وصل
لحد ما جه بعد الظهر في اليوم اللي فارقنا فيه؛ كان نفسه ضيق جداً، نده عليا وطلع مخدة قديمة ومتبهدلة وقالي بصوت يدوب مسموع: "دي... لمريم..."
أخدت المخدة في حضني وأنا مش فاهمة حاجة، وبعدها بدقايق، غمض عينه وفارق الحياة.
في نفس الليلة، وقت العزا، وأنا قاعدة في البلكونة، فتحت المخدة المقطوعة دي.. واللي لقيته جواها خطف نفسي من المفاجأة: فلوس ورقية مفرودة ومترتبة، وشوية عملات دهب صغيرة، وتلات دفاتر توفير قدام.
كنت مذهولة، وبعدها انفجرت في البكا. طلع إنه كان بيحوش كل قرش صغير ولاده بيدوهوله، والفلوس اللي جابها من بيع حتة أرض صغيرة في البلد. وبدل ما يصرفهم، شالهم جوه المخدة المقطوعة دي.. وسابهم ليا أنا.
وكان فيه كمان ورقة، مكتوبة بخط يدوب يتمرئ: "يا بنتي، إنتي أكتر واحدة شقيانة وأحن مرات
قعدت أعيط بحرقة ومش قادرة أسكت، مش عشان الفلوس أو الدهب، لا، عشان الحب والتقدير اللي حسيته منه. كنت فاكرة إن تضحياتي دي مجرد واجب عليا كمرات ابن، بس عم رمضان أثبت لي إن العمل الطيب، حتى لو مش مستني منه مقابل، عمره ما بيضيع.
يوم الدفن، كنت لسه بلمح وشوشات الناس: "هو رمضان هيسيب إيه يعني؟ ده حتى مكنش ليه معاش."
أنا ساعتها ابتسمت وبس، لأن محدش كان عارف الورث الحقيقي اللي سابهولي.. مش بس الفلوس، دي كمية الامتنان والثقة الصافية اللي جوه قلبي.
كل ما بشوف المخدة القديمة دي، بفتكر عم رمضان. في قلبي، هو مكنش مجرد حمايا، ده كان أبويا التاني اللي علمني المعنى الحقيقي للتضحية، والجميل، والحب من غير شروط. وكل يوم بيمر عليا، بفضل أقول لنفسي: أنا هعيش حياة أحسن وأملى الدنيا حب.. عشان أغلى ورث سابهولي