حبست زوجتي

لمحة نيوز

أنا حبست مراتي في الأوضة الكراكيب عشان أمي عيطت وقالت إنها قللت أدبها معاها.
على الفجر، فتحت الباب وأنا مستني ألاقيها بتعتذر، بس اللي شفته ركبني خبطت في بعضها؛ الأوضة كانت فاضية، دبلتها كانت مرمية على الأرض، وفوق كرتونة قديمة كان فيه تحليل حمل مكتوب على ضهره اسم عيلتي.
اسمي أحمد، والليلة دي عملت حاجة ما يعملهاش أي راجل محترم.. صدقت أمي وكذبت مراتي.. تاني.
كل حاجة بدأت وقت العشا في بيتنا، مع طبق اللحمة الباردة، والعيش الطازة، والسكوت التقيل اللي متعودين عليه. أمي، الحاجة فاطمة، كانت قاعدة على الترابيزة زي الملكة، عينيها بتراقب كل نفس سارة بتتنفسه.
ومراتي، سارة، مكانتش مادة إيدها في الأكل تقريباً، كان وشها مخطوف ومصفر بقالها أيام؛ تعبانة، وحاطة إيدها على بطنها، كأنها بتداري وجع مش قادرة تتكلم عنه.
أمي زعقت وقالت: "الشوربة باردة".
سارة خدت نفس طويل وقالت: "أنا سخنتها تلات مرات يا حاجة، أنتي اللي جيتي متأخر".
أمي رمت المعلقة من إيدها، وبعدين عملت حركتها بتاعة كل مرة؛ حطت إيدها على صدرها والدموع ملتها في ثانية كأنها ميعاد متظبط، ووشوشتني وهي بتعيط: "شايف يا أحمد؟ بتذلني في بيتي".
قمت وقفت وأنا عميان من الغضب، مسمعتش لسارة أصلاً، ولا حتى خدت بالي من كسرة وشها. قولتلها: "لحد هنا وبس.. اعتذري لأمي".
سارة بصتلي كأنها مش عارفاني وقالت: "أمك مش عايزة اعتذار، أمك عايزاني أختفي".
مضربتهاش بالقلم، بس اللي عملته كان أوحش بكتير؛ مسكتها من دراعها وجريتها على أوضة الكراكيب—المكان الضيق اللي تحت السلم اللي بنرمي فيه الكراتين،

والكراسي المكسورة، وزينة رمضان، والحاجات اللي مفيش حد عايز يشوفها.
قولتلها: "لما تظبطي دماغك وتعرفي غلطك، هطلعك".. وقفلت الباب بالمفتاح.
مصوتتش، وده كان لازم يقلقني، كل اللي سمعته صوتها من ورا الباب، واطي ومكسور: "أحمد، بلاش تقفل عليا هنا.. أرجوك. بلاش النهاردة".
بس أمي كانت واقفة ورايا وبتعيط من سكات، وأنا كنت مغفل، قالتلي: "سيبها، عشان النسوان اللي صوتها عالي تتربى".
الكلمة دي ضايقتني، بس مأخدتش أي موقف، ودخلت نمت.
على نص الليل، سمعت خبطة جامدة، وبعدين خبطة ثانية، وبعدها الصوت بقى كأن فيه حد بيجر كراتين جوة الأوضة. كنت عايز أقوم، بس أمي ظهرت عند باب الطرقة ومعاها كوباية شاي وقالتلي: "متروحش، هي بس بتلوي دراعك وبتعمل الشغل ده عشان تصعب عليك".
شربت الشاي، ومش فاكر إمتى طفيت النور ونمت، كأن الشاي كان فيه حاجة تقيلة غيبتني عن الوعي.
الصبح صحيت وريقي ناشف وفيه خوف غريب كابس على صدري، جريت على الأوضة. أمي كانت قاعدة في الصالة، لابسة ومظبطة طرحتها، وهادية بزيادة عن اللزوم، وقالتلي: "افتح، خلينا نشوف مناخيرها نزلت الأرض ولا لسه".
حطيت المفتاح في الباب، صوابعي كانت بترتعش.. فتحت، سارة مكانتش جوة!
المنور كان ضيق جداً ومستحيل أي حد يتسحب ويطلع منه، والباب ملوش أي قفل تاني. مكانش فيه دم، مكانش فيه صريخ، مفيش غير دبلتها مرمية على الأرض، وجنبها تحليل حمل إيجابي، وصورة ليا وأنا صغير مقطوعة نصين.
حسيت الدنيا بتلف بيا وسألت أمي: "هي فين؟"
مردتش عليا وبصت في الأرض ببرود مرعب.
دخلت الأوضة وبقيت أزيح الكراتين زي المجنون، وفجأة
شفت ورا دولاب قديم إن الحيطة كانت خشب ومخدوشة جامد من جوة قريب. زقيتها، فتحت معايا، وراها ظهر ممر ضيق، أحلف إنه مكانش موجود ومسمعتش عنه قبل كده في البيت القديم ده اللي ورثته عن أبويا.
كانت ريحته رطوبة، وشمعة مطفية، وسر قديم.. على الأرض كانت فيه بطانية بيبي صغيرة، مكانتش جديدة، كان مطرز عليها اسمي: أحمد.
جمدت في مكاني، وأمي طلعت صوت ورايا زي الأنين وقالت بصوت مرعوب: "متدخلش هناك يا أحمد.. أرجوك ارجع".
بس كان خلاص الوقت فات، لإن في آخر الممر، وسط كراتين مقفولة بلزق عريض أصفر، سمعت صوت سارة. مكانتش بتستغيث ولا بتطلب مساعدة، دي كانت بتتكلم مع حد، والحد ده رد عليها بصوت كنت فاكر إنه مات من تلاتين سنة.. صوت أبويا!
مشيت في الممر وضيق التنفس بياكل صدري، النور كان بيضعف لحد ما وصلت لأوضة سرية منورة بلمبة سهارة صفراء خفتة. شفت سارة قاعدة على الأرض، ودموعها مغرقة وشها، وجنبها راجل عجوز، دقنه بيضا وطويلة، وهدومه دبلانة، بس ملامحه هي نفس ملامح أبويا اللي صورته متعلقة في الصالة؛ الراجل اللي أمي قالتلي إنه مات في حادثة وأنا عندي خمس سنين.
أبويا بصلي وعينيه لمعت بالدموع، وقال بصوت حزين وناشف: "كبرت يا أحمد.. وبقيت قاسي زي أمك".
أنا كنت واقف مكاني مش قادر أتحرك، عقلي مش قادر يستوعب الفكرة.
سارة قامت ووقفت جمبه وقالتلي وهي بتبصلي بوجع: "أنا مكنتش هربانة منك يا أحمد، أنا لما دخلتني هنا وبدأت أدور على مخرج وسط الكراكيب، لقيت الباب ده موارب وسمعت صوت كحة.. أمك مكانتش حابساني أنا.. أمك كانت حبساه هو هنا من سنين".
أبويا بدأ يتكلم
ويحكي السر اللي أمي دفنته تلاتين سنة؛ قالي إن أمي لما اكتشفت زمان إنه كان عايز ينفصل عنها عشان يعيش حياته، رفضت تسيبه ياخدني، واستغلت إنه تعب وجاتله جلطة خفيفة، وبدل ما تعالجه، حبسته في القسم المعزول ده من البيت اللي بناه تحت الأرض كملجأ قديم، وفهمت الناس كلها والبلد إنه مات، وزورت شهادة وفاته بمساعدة أخوها اللي كان شغال في الصحة وقتها.
تلاتين سنة وأمي بتدخل له الأكل والشرب زي السجين، بتموته في اليوم مية مرة عشان تنتقم منه، وعيشتني أنا في وهم إنها الأم المثالية اللي ضحت بشبابها عشان تربي ابنها اليتيم.
سارة بصتلي وقالت: "أنا لما دخلت وشفت الحقيقة دي، وعرفت إن الراجل ده عايش في العذاب ده كله، وعرفت إنك أداة في إيد أمك من غير ما تحس، تيقنت إني مستحيل أربّي ابني اللي في بطني في بيت مبني على الدموع والظلم ده".
أمي جرت ورايا ودخلت الممر، ولما شافت أبويا واقف وسارة جمبه، وقعت على ركبها وبدأت تصرخ وتعيط هيستيري، بس المرة دي دموعها مكانتش تمثيل، كانت دموع الخوف من إن سرها اتكشف والعمر اللي ضاع في الغل اتفضح.
أنا بصيت لأمي، وبصيت لأبويا العجوز اللي انحرمت منه وعشت فاكره ميت، وبصيت لمراتي اللي شايلة ابني في بطنها واللي كنت هضيعها بجهلي وطاعتي العمياء.
نزلت على رجلي سارة وبكيت، طلبت منها تسامحني، ووعدتها إن الظلم ده هينتهي النهاردة. خرجت أبويا من الممر ده للنور، ومسكت إيد سارة، وسبت أمي تواجه عواقب تلاتين سنة من السواد والغل لوحدها.
خرجنا من البيت ده وسبناله كل حاجة، عشان نبدأ أنا وسارة وابننا اللي جاي حياة جديدة.. نظيفة،
ومفيهاش أي كراكيب من الماضي.
 

تم نسخ الرابط