العودة بعد 18 عام

لمحة نيوز

اسمي مارجريت، عندي 73 سنة، والقصة اللي هحكيها دي عمري ما تخيلت إني أعيشها، ولا حتى أحكيها بصوت عالي. دي قصة عن الوجع، والفرص التانية، ومعنى العيلة الحقيقي، وإزاي الدنيا ممكن تحول نهاية حزينة لبداية جديدة مليانة أمل.
من 18 سنة، كنت قاعدة في طيارة راجعة لبيتي لأصعب سبب ممكن تتخيله؛ بنتي الوحيدة ماتت فجأة في حادثة عربية صعبة، وكان معاها حفيدي الصغير. الخبر جالي قبلها بيوم واحد، وكنت مسافرة عشان أحضر الجنازة وأبدأ رحلة الوداع المؤلمة. في اللحظات دي الواحد مابيكونش حاسس بحاجة، بيمشي زي الآلة وسط ضباب تقيل، لدرجة إن أبسط الحاجات بتبقى صعبة. كنت باصة من شباك الطيارة ومش شايفة حاجة، حاسة إن فيه حتة مني اتنزعت واتشالت بعيد. كنت بفكر إن مفيش أم أو جدة المفروض تتحط في موقف إنها ترتب جنازة بنتها وحفيدها، بس الدنيا أوقات بتطلب مننا أكتر بكتير من طاقتنا.
وفجأة، سمعت دوشة بسيطة كدة قدامي بكام صف. حاولت أتجاهلها في الأول، بس بعدين سمعت صوت عياط طفلين. لما بصيت، شوفت طفلين توأم، ولد وبنت، ميكملوش 6 شهور، قاعدين لوحدهم في كراسي الممر ومن غير ما يكون معاهم أي حد كبير. وشوشهم كانت حمرا من كتر العياط وإيديهم الصغيرة بتترعش. استنيت حد يظهر، قولت يمكن الأم دخلت الحمام وراجعة، بس مفيش حد جه. الركاب حواليا بدأوا يضايقوا؛ واحدة لابسة بدلة شيك كانت بتبرطم من الدوشة، وراجل بيقلب في عينه بزهق، حتى المضيفات مكنوش عارفين يعملوا إيه. وكل ما حد غريب يقرب منهم، العيال يتفزعوا كأنهم عرفوا بدري

إن الكبار مش دايماً أمان.
الست الشابة اللي كانت قاعدة جنبي لمست إيدي براحة وقالتلي: "لازم حد قلبه كبير يتدخل، العيال دي محتاجة حد." في اللحظة دي، الجزء اللي كان ميت جوايا بدأ يتحرك. قمت من مكاني ورحت شيلتهم، واحد على كل كتف، براحة وحنية زي ما كنت بشيل بنتي زمان. الولد لزق وشه في كتفي والبنت مسكت في لياقة هدومي بإيدها الصغيرة.. وفجأة، العياط وقف والطيارة كلها سكتت. سألت بصوت عالي: "يا جماعة، فيه أم للأطفال دول هنا؟ لو دول ولادكم حد ييجي يستلمهم."
محدش رد، ولا الهوا. الست اللي جنبي ابتسمت وقالتلي: "إنتي أنقذتيهم." رجعت مكاني والعيال في حضني، وبدأت أحكي للست دي عن بنتي وحفيدي وعن بيتي الأصفر الصغير والشجرة الكبيرة اللي قدامه.. كلام بنقوله للغرباء لما قلوبنا بتبقى مليانة ومحتاجة تفضفض. لما وصلنا، سلمت الأطفال لأمن المطار، والشؤون الاجتماعية قلبت الدنيا عليهم، بس مفيش حد ظهر ولا حد سأل.
تاني يوم حضنت وجعي ودفنت بنتي وحفيدي، ولما البيت فضي عليا، مكنتش قادرة أنسى وشوش الطفلين ولا مسكة إيديهم في هدومي. فكرت في غرف النوم الفاضية فوق وفي الكرسي الهزاز اللي بقاله سنين مركون. بعد كام يوم، روحت للشؤون الاجتماعية وطلبت أتبناهم. كانوا خايفين عشان سني وعشان الوجع اللي أنا فيه، بس قولتلهم إني عمري ما كنت متأكدة من حاجة زي كدة في حياتي. وبعد إجراءات طويلة، بقيت أمهم رسمياً وسميتهم إيثان وصوفي.
الطفلين دول رجعوا الضحكة لبيتي، الممرات الفاضية اتملت بصوت خطواتهم، والمطبخ اللي كان
واسع عليا بقى يا دوب على قدنا إحنا التلاتة. كبروا وبقوا شباب يفرح؛ إيثان بقى عاقل وحنين، وصوفي ذكية ودمها خفيف، والاتنين دخلوا الجامعة بمنح دراسية. كنت فاكرة إن المفاجآت خلصت، لحد الأسبوع اللي فات.
خبطة قوية على الباب، فتحت لقيت ست شيك جداً، ريحة برفيوم غالي، وشعر متسرح بالمللي، وابتسامة باردة. قالتلي: "أهلاً يا مارجريت.. أنا أليشيا، اللي قابلتيني في الطيارة من 18 سنة." قلبي وقع في رجلي، دي كانت الست اللي قاعدة جنبي وبتحايلني أساعدهم! دخلت بيتي من غير استئذان وهي بتبص على صورنا اللي على الحيطة؛ صور تخرج، ورحلات، وحياة كاملة. وفجأة رمت القنبلة: "أنا أم التوأم دول.. وجاية أشوف ولادي."
إيثان وصوفي كانوا نازلين على السلم واتسمروا مكانهم. قولتلها بصوت بيترعش: "إنتي رميتيهم في طيارة لوحدهم!" ردت ببرود: "كنت 23 سنة ومرعوبة، وجالي شغل بره يغير حياتي ومكنتش جاهزة أكون أم لتوأم. شوفتك وشوفت وجعك وقولت إنتي محتاجة لهم زي ما هم محتاجين لك." يعني الست دي خططت لكل ده، استغلت وجعي عشان تهرب من مسؤوليتها!
طلعت ظرف تقيل من شنطتها وقالت: "أنا اديتهم حياة أحسن من اللي كنت هديها لهم، وسمعت إنهم شاطرين وجايبين درجات عالية، أنا محتاجاهم يوقعوا على ورقة." صوفي سألتها: "ولو موقعناش؟" ردت أليشيا: "أبويا مات وساب ورثه كله لولادي عشان يكفر عن غلطتي، لو وقعتوا وبقيت أنا الأم القانونية هتورثوا كل حاجة، لو لأ.. كل ده هيروح للجمعيات الخيرية."
طلبت منها تمشي، فزعقت وقالت إنهم كبار وده قرارهم،
يا إما يوقعوا ويبقوا أغنيا، يا إما يعيشوا الحياة المتواضعة اللي أنا بقدمها لهم. قبل ما أرد، إيثان قالها: "هي حبتنا لما إنتي هربتي، ده مش عطف، دي عيلة." أليشيا وشها خشب وقالت: "أنا خدت قرار صعب." في اللحظة دي طلبت كارولين، المحامية بتاعتي اللي كملت معايا إجراءات التبني من زمان.
كارولين جت وقرأت الورق وبصت لأليشيا وقالتلها: "ده تهديد، وبتحاولي تضغطي عليهم عشان يتنازلوا عن أمهم الوحيدة مقابل الفلوس." وفهمت العيال إن جدهم ساب الورث ليهم هما مباشرة، وممكن يورثوا من غير ما يوقعوا على أي حاجة تخص أليشيا. صوفي قالتلها بوجع: "إنتي مارجعتيش عشان وحشناكي، إنتي رجعتي عشان الفلوس." وإيثان كمل: "مارجريت هي أمنا، إنتي مجرد ست سيبتينا في طيارة."
الموضوع مكبرش وبس، كارولين رفعت قضايا تثبت حقهم، والقاضي حكم ليهم بالورث، وألزم أليشيا تدفع تعويض عن سنين غيابها. القصة انتشرت والناس كلها بقت تحكي عنها. وبعد ما كل حاجة خلصت، قعدنا التلاتة على الكنبة، صوفي ماسكة إيدي وبتقولي: "شكراً إنك كنتي أمنا الحقيقية، شكراً إنك اختارتينا." دمعت وقولتلهم: "إنتو كمان أنقذتوني."
إيثان بصلي وقال الكلمة اللي هعيش بيها بقية عمري: "إنتي رديتي لنا الجميل ده كل يوم على مدار 18 سنة." قعدنا في هدوء نتفرج على الغروب قدام الشجرة الكبيرة، واتأكدت إن العيلة مش بالدم، العيلة بالحب، وبالوجود، وبالتعب اللي بنتعبه كل يوم عشان اللي بنحبهم. الحب هو اللي بيفضل، ومفيش شنطة ماركة ولا ظرف قانوني يقدر يهد اللي بنيناه.

 

تم نسخ الرابط