صديقة ابنتي

لمحة نيوز

كنت مؤمنة طول عمري إنك لو تعبت في شغلك وحسبتها صح، الدنيا هتظبط معاك.. أكل كفاية، دفا كفاية، وحب أكتر من الكفاية، حتى لو الحالة المادية صعبة.
بس اللي ماكنتش فاهماه بجد -لحد ليلة في أواخر الربيع- إن كلمة "كفاية" دي كنت بضطر أحارب عشانها كل أسبوع.. أحارب مع السوبر ماركت عشان أشوف إيه اللي نقدر نشتريه، وأحارب الفواتير عشان أقرر مين يستنى أسبوع كمان، وأحارب نفسي عشان الأرقام تظبط.
يوم الثلاثاء ده كان يوم الرز عندنا.. كيس وراك فراخ، شوية جزر، نص بصلة.. كنت حاسباها بالظبط؛ سمك الجزر، كمية الرز، وتقسيمة الفراخ عشان تكفي تلاتة والباجي يبقى غدا بكرة.
كنت بحسب الحسبة دي لما بنتي سام دخلت من باب المطبخ ومعاها بنت عمري ما شوفتها قبل كده.
جوزي دان كان لسه راجع من الشغل، ورمى مفاتيحه وهو مهدود من تعب اليوم.
"العشا قربه يا حبيبتي؟"
"عشر دقايق" قلتها وأنا لسه بعدّ في دماغي.
سام دخلت المطبخ ومعاها بنت في سنها، رابطة شعرها "ديل حصان" منكوش، ولابسة هودي تقيل أوي على الجو، ومغطية إيديها بالكمام.. كانت ماسكة شنطة بنفسجي قديمة كأنها طوق نجاة.
"ماما،

ليزي هتاكل معانا."
قالتها كأنها قرار مش سؤال.
أنا كان في إيدي السكينة والأكل متمّنب لتلاتة بس.
ليزي ما رفعتش عينها من الأرض، وجزمتها كانت مقشرة، ومن تحت الهودي كان باين إنها ضعيفة جداً.. كانت عايزة تبقى "صغيرة" عشان ما تضايق حد.
قلت بصوت حاولت أخليه حنين: "أهلاً يا حبيبتي.. هاتي طبق وتعالي."
راقبتها من بعيد.. ليزي ماكلتش زي الناس الجعانة العادية، كانت بتاكل بحرص شديد، معلقة رز واحدة، حتة فرخة، جزرتين.. كانت بتتخض من أي صوت، كأن المكان مش أمان بالنسبة لها.
جوزي حاول يلطف الجو: "من إمتى وإنتوا أصحاب يا ليزي؟"
هزت كتافها وعينها في الأرض: "من السنة اللي فاتت."
سام ردت بسرعة: "ليزي الوحيدة اللي بتجري في حصة الألعاب من غير ما تشتكي."
ليزي ابتسمت نص ابتسامة وشربت كوباية المية كلها وملتها تاني وشربتها.. إيديها كانت بتترعش.
أعدت حسابات العشا: فراخ أقل، رز أكتر.. محدش هيلاحظ.
بعد العشا، ليزي قامت بسرعة كأنها مش عايزة تتقل علينا، بس سام وقفتها وبإيدها موزة: "نسيتي التحلية.. قانون البيت هنا محدش بيمشي وهو جعان."
ليزي مسكت الموزة كأنها
كنز وقالت بصوت واطي: "شكراً.. لو مش هتعبكم."
أول ما الباب اتقفل، بصيت لسام وقلت لها: "يا سام، ماينفعش تجيبي حد من غير ما تستأذني، إحنا يادوب ممشيين حالنا."
سام بصت لي بإصرار: "هي ماكلتش طول اليوم يا ماما.. هي أغمى عليها في المدرسة النهاردة، والكهربا عندهم مقطوعة من أسبوع."
الكلمات لجمتني.. أنا كنت شايلة هم الفراخ والرز، وهي كانت بتحاول بس تعيش.
قلت لها: "أنا آسفة.. هاتيها بكرة معاكي."
بقت ليزي تيجي كل يوم، تذاكر، تغسل المواعين معانا، وبقت جزء من البيت. لحد يوم الاثنين، شنطتها وقعت من على الكرسي واتفتحت.. واتنطرت منها أوراق كتير.
وطيت أساعدها ولمحت اللي فيها.. فواتير مكرمشة، ظرف فيه فكة، وإنذار أخير بقطع الخدمات باللون الأحمر.. وكشكول مفتوح على صفحة مكتوب فيها "إخلاء".
وتحتها قائمة: "إيه اللي ناخده معانا أول ما نسيب البيت."
قلبي وجعني.. "ليزي، إيه ده؟ إنتوا هتطردوا من البيت؟"
ليزي جمدت مكانها وقالت وهي بتموت من الكسوف: "بابا قال ما أقولش لحد.. عشان الناس ما تبصلناش بشفقة كأننا بنشحت."
جوزي نزل لمستواها وقال لها: "إحنا جنبك يا
ليزي."
البنت أخيراً بدأت تعيط بس من غير صوت، كأن حتى العياط مجهود هي مش قادرة عليه.
اتصلنا بوالدها "بول"، وجه البيت وهو مهدود وباين عليه الزعل إنه "فشل" يحمي بنته ويوفر لها الأمان.
بس بمساعدة الجيران والمدرسة، بدأنا نتحرك.. كلمنا صاحب البيت وعمل اتفاق مع بول إنه يشتغل في صيانة العمارة مقابل تسوية الديون.. والمدرسة ظبطت موضوع الوجبات المجانية بشكل رسمي.
الأسابيع مرت، وضحكة ليزي بقت تملا المطبخ.. بطلت أعد حتت الفراخ، وبقيت أعد الضحكات.
في ليلة، ليزي قالت لي: "كنت بخاف آجي هنا، بحس إني باخد حاجة مش من حقي.. بس دلوقتي، بحس إني في أمان."
لما مشيت، قلت لسام: "أنا فخورة بيكي يا بنتي.. إنتي مش بس لاحظتي وجع حد، إنتي اتحركتي."
سام قالت ببساطة: "ما إنتي كنتي هتعملي كدة يا ماما."
بصيت للبوتاجاز وافتكرت ليلة الثلاثاء لما كنت زعلانة من الزيادة.. واكتشفت إن "الكفاية" دي كلمة مرنة أوي، بتتمط عشان تساع أي حد محتاج لو فتحنا قلوبنا.
تاني يوم، سام وليزي دخلوا وهما بيضحكوا: "ماما، هناكل إيه النهاردة؟"
قلت وأنا ببتسم: "رز وأي حاجة تسد."
وحطيت أربع
أطباق.. من غير ما أفكر ولا أحسبها.
 

تم نسخ الرابط