طفلة صغيرة ومدير أمها
طفلة صغيرة ومدير أمها
“يا فندم… ممكن تسيب ماما ترتاح يوم واحد بس؟”
الصوت الصغير طلع من آخر المحل الفخم. كان هادي لدرجة إنه تقريبًا اختفى وسط الموسيقى الهادية… وصوت الحركة… وريحت الجلد الجديد. محل ريڤاس للأحذية كان في منطقة راقية… كل حاجة فيه بتلمع: فاترينات زجاج، أرضيات رخام، وجزم أسعارها أكتر من إيجار ناس كتير. كل حاجة متصممة تبان مثالية.
حتى أمل، واقفة ورا الكاونتر… بتبتسم للزبائن كأن جسمها مش بيصرخ من التعب. عندها 30 سنة. شعرها مربوط بإحكام… ولبس رسمي بيخبي حاجات محدش المفروض يشوفها: ضمادات لون الجلد على صوابعها، وجع ضهرها من الوقوف طول اليوم، هالات تحت عينيها مخبية بالمكياج، ورعشة خفيفة في إيديها من الإرهاق. بالنهار… بتبيع جزم غالية، وبالليل… بتخيط لحد الفجر. ودايمًا… أم لوحدها بتحارب عشان تعيش.
في المخزن… بنتها لُمى (6 سنين) قاعدة على كرتونة بترسم. في الورقة: بنت صغيرة ماسكة إيد ست. البنت ملونة… لكن الست باهتة. لمى بصّت لأمها… وشافتها وهي بتنزل تجيب علبة تقيلة، وشافت الألم في وشها… وبعدين شافت الابتسامة اللي بعدها… كأن مفيش حاجة. في اللحظة دي… لمى قامت، دخلت المكتب من غير ما تعرف إنه ممنوع.
ورا مكتب كبير… كان قاعد كريم ريڤاس—صاحب الشركة. 35 سنة، بدلة شيك، وعيون باردة. راجل متعود الكل يسمع كلامه. ما شافش طفلة خائفة… شاف إزعاج.
“إنتي مش مفروض تبقي هنا.”
لمى طلعت من جيبها شوية عملات وورقة مكرمشة، ومدتهم بإيديها: “أنا معايا فلوس قليلة…
كريم بص على الفلوس… وبعدين عليها. “مين مامتك؟”
“أمل…” قالت، “ضهرها بيوجعها… ومابتنامش… وبتخيط كتير… امبارح نامت على الماكينة، وأنا حطيت مخدة تحت راسها.”
وشه ما اتغيرش. لمى همست: “يا فندم… لو فضلت تشتغل كده… ماما هتختفي؟”
المكتب سكت تمامًا. بس كريم ما اتهزش. “مين سمح لطفلة تدخل هنا؟!” قال بعصبية.
أمل سمعت صوته… وقلبها وقع. جريت على المكتب وهي مرعوبة: “أنا آسفة جدًا يا فندم… كان ظرف طارئ… الجارة ماقدرتش تقعد معاها… مش هتتكرر.”
كريم وقف: “أنا مشغّلك عشان تمثلي البراند… مش تحولي المكان لحضانة. الزبون بيدفع مقابل الكمال… مش مشاكل شخصية.”
أمل وطّت راسها وخبّت إيديها المتعورة: “حاضر يا فندم.”
لمى حضنت رسمتها: “بس ماما بتتعب أوي…”
“يلا يا لمى…” أمل قالت بخوف.
كريم فضل يبص عليهم وهم ماشيين. لاحظ حاجة لأول مرة: هي مش ماشية مكسورة… هي ماشية بتحارب عشان ما تقعش. تاني يوم… فتح ملفها عشان يفصلها. السبب واضح: طفل في الشغل، مخالفة، أداء متراجع. بس لما دخلت عليه… وشها شاحب… وشاف نقطة دم ناشفة على ضماد إيدها… قال: “أمل… بخصوص امبارح…”
شدّت نفسها: “لو سمحت ما تفصلنيش… أشتغل أكتر… مش محتاجة راحة…”
كريم اتفاجئ: “أنا مش بفصلك. خدي بكرة إجازة.”
الخوف ظهر فورًا: “لا! لو غبت هيتبدل مكاني… لو ارتحت هخسر… ولو خسرت الشغل هنتطرد… بنتي محتاجة دوا… أنا أقدر أشتغل…”
وساعتها… انهارت. عيّطت. مش عياط شفقة… عياط حد شايل الدنيا
بعد الضهر… كريم ساق عربيته من غير هدف، لحد ما وصل جنب حديقة وشافهم. أمل نايمة على الدكة… وحاضنة بنتها حتى وهي نايمة. ولمى قاعدة جنبها بهدوء… بتقرا، كأنه فاهمة إن راحة أمها حاجة مقدسة. كريم قرب بهدوء… ولمى أول ما شافته، كان لسه هتتكلم— “ششش…” قال لها. وشال الجاكيت بتاعه وحطه عليها، وساب جنبهم شوكولاتة سخنة وعيش حلو.
ورجع عربيته… وفجأة… ذكريات ضربته. أمه كانت بتخيط لحد الفجر… ضهرها مكسور… إيديها مجروحة… اليوم اللي وقعت فيه على الماكينة وهو عنده 13 سنة ومقدرش يساعدها. حط راسه على الدركسيون: “أنا بنيت نفس الحاجة اللي قتلتها…” ولأول مرة من سنين… أبرد راجل في المكان ده… عيّط.
عاد كريم إلى مكتبه في اليوم التالي، استدعى مدير الموارد البشرية ومدير الفرع.
"أمل السعدني، الست دي بتشتغل هنا بياعة، وبالليل بتخيط لحسابها عشان تكفي مصاريف بنتها. إزاي إحنا كشركة كبيرة مش عارفين إن عندنا مواهب زي دي؟"
المدير ارتبك: "يا فندم، إحنا بنهتم بالأداء في الصالة بس."
كريم ضرب المكتب بيده: "لا، شغلنا! من اللحظة دي، أمل السعدني مش بياعة. أمل هتتنقل لقطاع التصميم والجودة."
في اليوم التالي، رجعت أمل للشغل وهي مرعوبة. دخل كريم ومعه وفد من المديرين. توقفت أمل عن العمل ونكست رأسها: "أنا جاهزة للشغل يا فندم.."
كريم نادى على لمى، وأخرج الـ 21
التفت لأمل وقال: "أنتي من النهاردة مراقبة جودة وتصميم في قسم الجلود. مكتبك هيكون في الدور الإداري، ومرتبك هيتضاعف 4 مرات. وقررت كمان إن الشركة تفتح حضانة نهارية في المبنى لكل الموظفات اللي ظروفهم زيك."
نادر، نائب المدير، حاول يجمع توقيعات لرفض القرار بحجة أن أمل غير مؤهلة تعليمياً. في الاجتماع، وضع كريم شنطة قماش قديمة على التربيزة. "الشنطة دي فيها قميص، أنا اشتريته من أمل بالصدفة من خلال وسيط امبارح. القميص ده فيه تفاصيل، الماركات اللي بنتعامل معاها في إيطاليا مبيعرفوش يعملوها. أمل هي الأصل."
أمل استلمت وظيفتها الجديدة. لأول مرة من سنين، ضهرها مكنش بيوجعها. في يوم، كريم دخل عليها المكتب لقاها بتصمم حذاء صغير جداً لونه وردي. "ده لمين يا أمل؟"
ردت والدموع في عينيها: "ده لـ لمى.. أول مرة أعمل لها حاجة وأنا مش مستعجلة، وأنا مش خايفة من بكرة."
لمى قامت وجريت على كريم وقالت له: "شكراً إنك مخليتش ماما تختفي."
كريم بوس راسها، وحس إن الـ 21 جنيه دول كانوا تمن رجوعه لإنسانيته. القصة بدأت لما الطفلة الصغيرة علمت الملياردير إن الراحة مش رفاهية، دي حق.. وإن القلوب اللي بتشيل الوجع بسكات، هي اللي بتستاهل أحسن عوض في الدنيا. وأمل بقت من أشهر مصممين الأحذية، وبقت دايماً تقول: "رزقي