اليوم الذي باعوني فيه… واليوم الذي عادوا يبحثون عني
كانت أصابعي ترتجف وأنا أمسك تلك الورقة الصغيرة. ورقة عادية خفيفة، لكنها في يدي كانت أثقل من كل الشهور التي عشتها وحدي. لم يكن ما كتب فيها هو ما هزني أولاً، بل الخط؛ الطريقة التي يميل فيها حرف الـ "ر"، والنقطة الصغيرة فوق الـ "ج"، ذلك الانحناء الخفيف في حرف الـ "ن" في آخر اسمي.. كل هذا لم يكن غريباً علي، كان جزءاً من ذاكرتي، من ثلاث سنوات من الرسائل والاعتذارات والمفاجآت الصغيرة.
ابتلعت ريقي بصعوبة، رفعت الورقة نحو الضوء وقرأتها أخيراً:
"سامحيني بس ما قدرت أتأخر أكثر."
كانت الجملة قصيرة جداً مقارنة بكل ما حدث، قصيرة أمام خمس سنوات من الحب والخوف والوحدة، قصيرة أمام خمسة ملايين روبية وثمن اختفائي، قصيرة أمام طفل صغير في الحاضنة ينتظر أن يعرف من يكون أبوه.
رفعت عيني ببطء؛ الممرضة كانت لا تزال واقفة تراقبني بنظرة فيها مزيج من الفضول والشفقة. سألتها بصوت مبحوح:
— "مين اللي جاب الظرف؟"
ترددت للحظة ثم قالت: "القانون ما يسمح لنا نقول اسم اللي دفع الفاتورة، بس.. هو لسا واقف بره، ما تحرك من مكانه منذ ساعة."
سكت، حتى دقات قلبي شعرت أنها توقفت. لم أستطع أن أنطق اسمه، كأن
كان واقفا هناك.. أرجون.
رأيته أولاً من عينيه؛ كل شيء آخر تغير، ملامحه المتعبة، لكن عينيه هما نفس العينين اللتين وعدتاني قبل ثلاث سنوات: "مهما صار ما راح أتركك."
نطق باسمي أخيراً: "أنجالي".
الكلمة وحدها كانت كافية لتفك عقدة في صدري. دخل بهدوء وأغلق الباب، اقترب وجلس على طرف الكرسي. مرت ثوان لم نتكلم فيها، أخيراً قال بصوت مبحوح:
— "دورت عليك بكل مكان يا أنجالي، كل مكان."
سألته بمرارة: "وين كنت تدور وأمك كانت تحسب الفلوس اللي دفعتها عشان أختفي؟"
أغمض عينيه وقال بصدق: "ما كنت أعرف، ما قالت لي إلا بعد ما اختفيتي. قالت لي إنك تركتيني عشان الفلوس، وأنا صدقتها يومين ثلاثة بعدين حسيت إن شي غلط. أنجالي اللي أعرفها ما تبيع حبها."
قلت له والدموع تنزل: "وأنا كنت حامل وخفت.. خفت منك ومن أمك، قالت لي إن ما راح تسمح للطفل يولد، صدقت إن أبتعد أهون."
فتح عينيه بسرعة ونظر إلي بصدمة: "كنت حامل؟ من متى؟"
— "من قبل ما تجي وتقول لي أمك إني ما أستحقك، من قبل ما تحط خمسة ملايين
هز رأسه بقوة: "لا تقارنيني فيها. أنا يمكن ضعفت وتأخرت، لكن حبي لك ما كان أبداً بنفس مقاييسها. كتبت هالورقة وأنا واقف برا الباب، كنت خايف من عيونك."
سألته: "وكيف عرفت إني هنا؟"
تنهد وقال: "بعد ما اعترفت أمي، انقلبت الدنيا في وجهي. سألت في كل مكان، وبالأمس وصلت لاسمك من ملف في النظام، ممرضات يتكلمون عن حالة ولادة مبكرة لواحدة اسمها أنجالي من كانبور، ركضت على طول."
سألته: "أنت شفت الطفل؟"
هز رأسه نفياً: "رفضت أشوفه قبل ما أشوفك، حبيت أعرف إذا عندي حق أدخل في حياته."
مددت يدي نحوه: "تعال نشوفه سوا."
وقفنا أمام زجاج الحاضنة. هناك كان طفلنا، صغير جداً وملفوف ببطانية خفيفة. مد أرجون يده ووضعها بجانب يدي فوق الزجاج وقال بصوت متمزق: "يا الله.. هذا ابني؟"
قلت له: "إيه، ابننا."
همس باعتذار: "أنا آسف ما كنت موجود.. آسف إنك دخلتي غرفة العمليات وحدك، وسمعتي كلمة 'مين بيدفع الفاتورة' وما كان صوتي أنا اللي يرد."
عدنا للغرفة، أخرج قلماً وأمسك ورقة شهادة الميلاد: "اسم الطفل؟"
قلت له: "كنت أفكر لو ولد أسميه أرجون."
ابتسم وكتب ببطء: "Arjun Verma".
عندما كتب
مرت الأيام، استأجر أرجون شقة قريبة من المستشفى. لم تكن فاخرة لكنها كانت دافئة. وفي يوم من الأيام، رن جرس الباب. كانت السيدة شاليني، والدة أرجون.
تجمد الزمن للحظة، لكن هذه المرة أرجون كان واقفاً كالجدار. سألها ببرود: "جاية لي ولا لها؟"
قالت بخفوت: "أعرف إن اللي سويته كان غلط.. بس أرجوك خليني على الأقل أشوف حفيدي."
نظرت لأرجون ثم هززت رأسي: "خليها تدخل.. عشان ابننا."
دخلت شاليني ونظرت للطفل وقالت: "هو يشبهك.. وعينه عين أرجون."
قالت بصدق: "لو تبغين أرجع لك فلوسك، الخمسة ملايين كاملة، ما عاد لها معنى عندي."
ابتسمت وقلت: "أنا صرفت جزء منها على حفيدك، فلا تقولي إنها كانت فلوسي أو فلوسك، هي كانت ثمن خوف وطلع أغلى مما يستحق."
كبر أرجون الصغير، وشاليني لم تعد تلك المرأة القاسية؛ وجود حفيدها جعلها تنظر للعالم بعين أخرى. كلما نظرت لحياتنا اليوم، أقول لنفسي: اليوم الذي اكتشفت فيه أني حامل، والذي ظننته
تمت