قصة ليلى
تامر ما مشيش اليوم ده، وفضل يرجع تاني.
في الأول كان بيقف بعيد عن البوابة، يراقب من بعيد كأنه خايف من ماضيه. وبعدين بدأ يسأل بالراحة: "الواد اسمه إيه؟"، "بيحب إيه؟"، "عمره سأل عليا؟". كنت برد على قد السؤال بالظبط، لا بزيادة ولا بنقصان. ابني كبر وبقى قوي من غيره، حياته كلها ضحك وأحلام، طفل عمره ما حس إنه ناقص عشان أنا ما سمحتش للفراغ ده إنه يكبر جواه.
في ليلة، تامر استجمع شجاعته وقال إنه عايز يقابله. فضلت باصة له كتير، وفي الآخر وافقت.. مش عشانه، لكن عشان ابني. يوم المقابلة تامر جه بدري، كان متوتر ومش على بعضه كأن عليه حكم ومستني يتنفذ.
لما ابني دخل، الجو اتغير.. كان واخد عينيه، وضحكته، وهيبته. تامر اتسمر في مكانه، ودموعه نزلت في ثانية، وهمس: "ده ابني..". بس ابني بص له بفضول، مش بلهفة، وسأله: "إنت مين؟". الكلمتين دول وجعوه أكتر من أي إهانة. تامر حاول يتكلم بس صوته خانه، فتدخلت بهدوء وقلت: "ده حد كنت أعرفه من زمان". ابني هز رأسه بذوق ورجع يلعب تاني.
بعد المقابلة دي بكام يوم، قعد يترجى تاني، قالي إنه عايز فرصة يصلح كل حاجة، ويبني اللي هده. بس الدنيا مش دايماً بتدي فرص تانية. أخدت قراري النهائي: سمحت له يصرف من بعيد؛ مصاريف مدرسة، رعاية، مسؤوليات.. لكن حب لأ، وجود لأ، واللقب اللي باعه زمان مش هيعرف يشيله تاني. لأن الأبوة مش بس دم، الأبوة وقت، وتضحية، وإنك تكون موجود وقت الشدة.. وهو ما عملش كده.
سنين عدت.. وابني واقف على المسرح بيستلم جائزة، لحظة فخر وانتصار. الناس بتسقف، والفلاشات بتصور، وأنا واقفة ببتسم. المذيع سأل: "مين بطلك؟". ابني بص لي وقال: "أمي". القاعة كلها هزتها الزغاريط والتسقيف، وفي ركن القاعة، تامر كان واقف في صمت، بيسقف بالراحة ودموعه نازلة ما حدش حاسس بيها. وقتها فهم إن فيه خسارات مالهاش تعويض، بتبقى درس للعمر كله.
بقول لكم يا جماعة: أوعوا تتخلوا عن الحاجات
هو قال إن العيل مش ابنه، واتجوز غيرها ونسيها، بس الدنيا كان ليها رأي تاني. دلوقتي واقف يتفرج على ابنه وهو بيقول لغيره "يا بطل". السنين مرت زي النهر، وتامر ما بطلش ييجي؛ مش قريب كفاية إنه يكون واحد مننا، ولا بعيد كفاية إنه ينسى. بقى زي الخيال في خلفية حياتنا، بيتفرج على الحكاية اللي رماها زمان.
ابني كبر وبقى شاب زي الورد، ناجح وعارف طريقه. كل خطوة قدام كانت مبنية على حبي وتضحيتي، وكل نجاح كان شايل اسمي أنا. وفي ليلة، سألني السؤال اللي كنت عارفة إنه جاي: "هو مين أبويا؟".
ما كذبتش وما خبيتش، حكيت له الحقيقة، مش بغل ولا بوجع، لكن بصراحة هادية. حكيت له عن الحب، والندالة، والغياب. ابني سمع في صمت، وسأل سؤال واحد: "هو لسه عايش؟". هزيت رأسي بـ "أيوة"، ولأول مرة، الاختيار مابقاش في إيدي أنا، بقى في إيده هو.
بعدها بكام يوم، تامر جاتله رسالة بسيطة: "عايز أقابلك". لما اتقابلوا، ما كانش
السكون ملى المكان، وبعدين ابني قاله كلمة تامر عمره ما هينساها: "أنا مش بكرهك، بس أنا مش محتاجلك، أنا عندي كل حاجة خلاص". اللحظة دي كانت الحقيقة الأخيرة؛ لا فيه غضب ولا انتقام، دي كانت "النهاية". تامر ابتسم بوجع لأنه فهم أخيراً إن الحب مش حاجة بترجع لها لما تكون فاضي، الحب حاجة لازم تحافظ عليها وإنت بتملكها.
أما أنا، كنت براقب من بعيد، مش كضحية، لكن كست حولت الوجع لقوة. تامر مشي يومها، لا طردناه ولا رفضناه، هو بس بقى "ماضي وانتهى". وأنا أخيراً حسيت بحاجة ما حستهاش من سنين.. الحرية.
أحلى انتقام ما كانش إني أخليه يتعذب، الانتقام الحقيقي إني عيشت حياة مابقاش له فيها أي سلطة على حكايتي.
الدرس: فيه ناس هتعرف قيمتك متأخر أوي، أوعى توقف حياتك تستنى لما يفهموا. ابني سعادتك بقوة لدرجة إن غيابهم مابقاش