جوز بنتي طردني من العزومة

لمحة نيوز

جوز بنتي طردني من وسط العزومة.. والسر الذي قلب الموازين
جوز بنتي طردني من وسط العزومة، وهو مش متخيل السر اللي هطلعه من شنطتي وهيهد الدنيا فوق دماغه!
كان يوم عيد الأم، وريحة الفحم واللحمة المشوية مالية حوش البيت الكبير. ستهم، ست عندها ٧٢ سنة وإيديها محفرة بشقى السنين، وصلت وهي لابسة فستانها النظيف وماسكة صينية بسبوسة بين إيديها كأنها شايلة كنز.
حياة "ستهم" كلها كانت عبارة عن عجن وخبز من الفجر، ولف في الشوارع تبيع قرص وسميط عشان تبني كل طوبة في البيت ده. مات جوزها وهي لسه صغيرة، وبشقاها وتعبها ربّت بناتها وضمنت إن ليهم سقف يسترهم.
من ١٠ سنين، بنتها هدى جاتلها بتعيط ومعاها ٤ عيال وجوزها سيد، اللي كان غرقان في الديون لشوشته. "ستهم" من غير تفكير فتحت لهم الباب، سابت لهم البيت الكبير بكل اللي فيه، وراحت هي سكنت في أوضة وصالة في آخر الحوش.
افتكرت إنها بتسند لحمها في وقت شدة، بس "سيد" فهم الموضوع غلط خالص. الراجل اللي واخد على "النطعنة" والجبروت، افتكر إن سكوت حماته ضعف، وبدأ شوية شوية يتصرف كأنه هو صاحب البيت والآمر الناهي.
الأول غيّر قفل البوابة من غير ما يقول لها. وبعدين بقى يمنظر بالبيت قدام الجيران، ويتمشى في الشارع كأنه هو اللي دافع مليم في بناه. قعد في صدر الطرابيزة وهو فاكر إن الزمن هيمسح حقيقة مين اللي دفع تمن السقف اللي مداريه.
"ستهم" سكتت عشان خاطر بنتها هدى. عضت على لسانها عشان العيال يتربوا في هدوء. بلعت الإهانة

مرة واتنين وتلاتة. بس يوم العزومة ده، العيلة كلها كانت متجمعة، ١٢ حفيد بيجروا في الحوش، والمزيكا شغالة، والتلج مالي القزايز.
الست مشيت براحة وقعدت على الكرسي البلاستيك اللي في طرف الطرابيزة. مكانها المعتاد، الكرسي اللي "سيد" قرر إنه "مضايقه" في برستيجه كصاحب عزومة. قرب منها وهو بيطوح، وشه أحمر من كتر الأكل والأنا المنفوخة.
قدام الكل، بص لها باحتقار، ووطى صوته عشان يبان إنه بيخوفها، وقالها بكل جبروت: "يا حاجّة، مفيش حد عزمك هنا. ما تجيش تاكلي بلاش في بيتي.. وريني عرض كتافك بقى وشوفي رايحة فين."
السكوت نزل على الحوش كأنه جبل طوب.
محدش نطق بكلمة. هدى بنتها بصت في الأرض كأن القلم نزل على وشها هي. وباقي "أزواج البنات" عملوا نفسهم مش سامعين وبصوا في الأرض بجبن وخسة. بس يحيى، الحفيد الكبير، جز على سنانه وكان هيقوم يطبق في زمره.
بس "ستهم" مسمحتش لشاب صغير يدخل حرب تخصها هي وبس. فيه ستات بتصرخ وتعمل فضيحة لما تتهان، وفيه ستات بتقوم ببرود يجمّد الدم في العروق. "ستهم" ساندت بإيديها التعبانة على الطرابيزة، وقامت براحة وبدأت تمشي.
وقفت باست "يحيى" من قورته. وطبطبت على شعر "مريم" الصغيرة. باست الـ ١٢ حفيد واحد واحد ببطء وهدوء. ولما وصلت لآخر الطرابيزة، قدام "سيد" بالظبط، فتحت شنطة الماركت بتاعتها، وطلعت ظرف تقيل مربوط بدوبارة، ورزعته في صدره.
اللي هيحصل دلوقتي مكنش يخطر على بال حد...
ساد الصمت في الحوش، حتى صوت الفحم وهو بيطقطق كان
مسموع. سيد مسك الظرف باستهزاء وقال: "إيه ده يا حاجة؟ شايلة لنا صور الذكريات؟ ولا جاية تشحتي بكلمتين؟"

ستهم بصت له بنظرة حادة، نظرة ست شافت الموت والحياة مية مرة، وقالت بصوت هادي وواضح: "افتح يا سيد.. افتح وشوف تمن اللقمة اللي بتقول إني واكلاها بلاش في بيتك."
سيد فتح الظرف وهو بيضحك، بس الضحكة ماتت على وشها لما شاف الورق اللي جوه. وشه بقى أصفر كأنه شاف ملك الموت. الورق مكنش صور، ولا كان جوابات قديمة.. كان **"عقد بيع وشراء نهائي"** وتوكيل عام وتنازل رسمي.
يحيى الحفيد قام وقف وبص للورق، وصاح بذهول: "ده عقد البيت يا جدي؟"
ستهم ردت بقوة: "لا يا يحيى.. ده عقد الأرض اللي سيد اشتراها في البلد الأسبوع اللي فات، والتوكيل اللي عمله لأخوه عشان يبيعوا نص البيت ده لمقاول ويبنوه برج!"
هدى بنتها صرخت: "بتقولوا إيه؟ سيد، أنت كنت بتبيع بيت أمي من ورايا؟"
ستهم كملت وهي بتبص لسيد اللي كان ركبه بتخبط في بعضها: "أنت كنت فاكرني عجزت وخرفت يا سيد؟ فاكر إن لما تسرق الأوراق من دولابي وتعمل توكيل مزور باسمي، إني مش هعرف؟ أنا اللي عجنت الأرض دي بإيدي، وعارفة كل سكة فيها. المحامي اللي أنت رحت له عشان يخلص لك الورق، أبوه كان بيشتغل عندي زمان، وجاب لي الخبر من أول يوم."
سيد بدأ يتلعثم: "يا.. يا حاجة، أنا كنت عايز أأمن مستقبل العيال، البيت قديم والبرج هيخلينا أغنياء.."
ستهم رزعت إيدها على الطرابيزة وقالت بصوت زلزل الحيطان: "تأمن مستقبلهم بالسرقة؟
تطردني من بيتي عشان تبيع الهوا للمقاولين؟ أنت مكنتش بتسرق بيت، أنت كنت بتسرق شرفي وشقى عمري!"

طلعت ستهم ورقة تانية من الشنطة، ورقة بختم النسر: "وده بقى قرار من النيابة بوقف أي تصرف في البيت، وبلاغ رسمي بالتزوير.. والظرف اللي في إيدك ده، فيه صور من الشيكات اللي أنت قبضتها مقدم من المقاول، والمحامي بتاعي مستني بره مع القوة عشان ينفذوا قرار 'التمكين' وقرار طردك أنت من البيت ده!"
سيد وقع على الأرض عند رجليها: "يا حاجة استري عليا، أنا جوز بنتك وأبو أحفادك، الفضيحة هتاكلنا كلنا!"
ستهم بصت لبنتها هدى اللي كانت بتعيط بقهره، وقالت لها: "اللي يفرط في أمه يا هدى، يفرط في عرضه. والراجل اللي يمد إيده على مال ولية غلبانة، ميتأمنش على بيت."
بصت لسيد وقالت ببرود يجمّد المية: "أنا مش هسجنك عشان خاطر العيال.. بس أنت تخرج من هنا بدمومك، وتطلق بنتي، وتنسى إن كان ليك رجل في البيت ده. الأرض اللي اشتريتها بفلوس الحرام، أنا حجزت عليها بتعويض عن التزوير، وهتتكتب بأسامي أحفادي الـ ١٢ بالتساوي."
سيد خرج من البيت وهو بيجر ذيول الخيبة، مطرود قدام عينه وعين ولاده والجيران، بعد ما كان فاكر إنه ملك الدنيا. وستهم قعدت في صدر الطرابيزة، ومسكت صينية بسبوسة ووزعتها على أحفادها وهي بتقول: "كلوا يا ولاد.. البيت ده هيفضل مفتوح ليكم وليا، واللقمة اللي فيه حلال، ومحدش له جميل علينا غير ربنا."
في اليوم ده، العيلة كلها اتعلمت إن "ستهم" مش بس اسم، دي رمز للحق اللي
مابيموتش، والشنطة القديمة اللي كانت شايلاها، كان فيها كرامة عيلة بحالها.

**تمت.**
 

تم نسخ الرابط