العيلة المزيفة

لمحة نيوز

يوم تخرجي من جامعة القاهرة، وتحديداً في مدرج كلية الطب ب القصر العيني، كان الجو مشحوناً بريحة البخور والورد، وصوت زغاريط الأمهات اللي كانت مالية المكان. وسط كل الفرحة دي، كنت واقفة لوحدي في طرف الصف، لابسة الروب الأسود اللي اشتريته من مالي الخاص بعد ما بابا رفض يدفع تمنه بحجة إنه مالوش لازمة لمجرد يوم.
أبويا ميل عليّ، ريحة سجائره كانت قوية، ووشوشني بصوت واطي ومسموم أخيراً خلصنا من رمي الفلوس على الفاشلة دي.. يومين وتلمي هدومك وتوفري استهلاك الكهرباء في البيت ده، شوفي لك جوازة تستر عليكي بدل قعدة المعامل اللي ملهاش لازمة.
غمضت عيني عشان دموعي متنزلش. ميعرفش إن قعدة المعامل دي هي اللي كانت طوق النجاة الوحيد ليا من جحيم البيت ده. ميعرفش إني من سنة، لما كنت بنضف المكتب ولقيت شهادة تبني قديمة مخبية ورا الدرج، عرفت الحقيقة اللي دمرتني وطلعتني من جديد أنا مش بنتهم. أنا الطفلة اللي

جابوها عشان تونس مروان في طفولته، ولما مروان كبر وبقى الابن الذهبي، بقيت أنا العالة اللي بيمنّوا عليها بلقمة العيش.
أمي اللي كنت فاكراها أمي كانت بتبص في ساعتها الذهب بزهق وتقول يلا يا إبراهيم نخلص، العيال جاعوا، وإحنا حاجزين غدا في النادي، كفاية تضييع وقت في حتة شهادة مش هتنفعها بحاجة.
مروان أخويا كان قاعد مربع إيده، لابس نضارة شمس ماركة، وماسك موبايله الأحدث موديل، بيبصلي بسخرية وكأنه بيقولي آخرك تخلصي وتشتغلي في كشك، أما أنا فمكاني محجوز في شركات بابا.
فجأة، العميد طلع على المنصة، الصمت حل على المكان، وبدأ يتكلم عن الدفعة.. بس فجأة صوته بقى فيه نبرة فخر غريبة قبل ما نسلم شهادات الدفعة، لازم نكرم حالة استثنائية.. طالبة قدرت وهي لسه في مرحلة البكالوريوس إنها تنشر بحث في مجلة Nature العالمية، بحث هيغير طريقة علاج أمراض ضمور الأعصاب في العالم كله.
المدرج بدأ يهمس مين دي؟، دي
أكيد عبقرية!، دي شرفت القصر العيني!
العميد كمل وصوته بيعلى الطالبة دي رفضت منح من جامعات أوروبية عشان كانت مستنية رد من جهة واحدة بس.. والرد جه النهاردة الصبح بالقبول الكامل مع تمويل بحثي ب 2 مليون دولار.. رحبوا معايا بالدكتورة سارة إبراهيم.
في ثانية واحدة، المدرج كله انفجر تصفيق. وقفت.. ورجلي كانت بتترعش، بس مش من الخوف، دي كانت رعشة الانتصار. بصيت على الصف الأول.. بابا إبراهيم كان وشه جايب ألوان، بقه اتفتح وكأنه شاف شبح. أمي وقعت الشنطة من إيدها وهي مبرقة. ومروان نزل النضارة الشمس ببطء، وعيونه كانت مليانة ذهول وحقد مخلطين بصدمة العمر.
طلعت المسرح، والعميد سلمني درع الكريستال وهو بيوشوشني رفعتي راسنا يا بنتي، وفد جامعة هارفارد والسفارة الأمريكية مستنيينك في مكتب رئيس الجامعة.
مسكت الميكروفون.. وبصيت للقاعة كلها، وبعدين ثبت عيني في عين إبراهيم ومراته، وقلت بصوت واثق هز الحيطان
أنا بشكر كل اللي آمن بيا.. وبشكر أكتر اللي وصفوني بالفشل، لأن لولا قسوتهم مكنتش هعرف إني قوية كفاية عشان أبني مستقبلي لوحدي. أنا النهاردة مش بس بتخرج من الجامعة، أنا النهاردة بتخرج من حياتكم المزيفة.
نزلت من المسرح، ومستنيتش حتى أسمع ردهم. الوفد الأمريكي كان واقف بيصقف لي بحرارة. مشيت من قدام أهلي وكأنهم هوا، مروان حاول ينده عليا سارة! أنتي بتقولي إيه؟، بس أنا مالتفتش.
طلعت برا القاعة، الشمس كانت دافية، وريحة الحرية كانت أحلى من أي عطر. فتحت موبايلي وبعت رسالة لإبراهيم الورق اللي في الدرج عرفني الحقيقة.. أنا متبناة، والنهاردة أنا رديت لكم جميل التربية بالنجاح ده، بس من اللحظة دي.. أنا لا أعرفكم ولا تعرفوني. الفاشلة مسافرة هارفارد.. خليكم أنتم في النادي.
ركبت العربية اللي كانت مستنياني من السفارة، وبصيت ورايا لآخر مرة على أسوار القصر العيني، وأنا عارفة إن القصة مخلصتش.. دي لسه
بتبدأ، وبقوة.

تم نسخ الرابط