الفرحة المسمومة بقلم منى السيد
الفرحة المسمومة
بقلم منى السيد
شرطتين الاختبار كانوا بيبصوا لي وكأنهم وعد بمستقبل سعيد.. أخيراً أنا حامل! حمل استنيناه بفارغ الصبر بعد تلت سنين من المحاولات، وزيارات مابتخلصش للدكاترة، وخيبات أمل كانت بتقطع في قلبي كل شهر.
إيدي كانت بتترعش وأنا بطلب رقم ياسر.. جوزي كان في مأمورية شغل في إسكندرية، ومقدرتش أستنى لما يرجع عشان أقوله الخبر وش لوش.
ياسر! يا حبيبي! عندي ليك خبر بمليون جنيه!
في إيه يا ليلى؟ حصل حاجة؟ صوته كان مشوش ومشغول، وفي دوشة حواليه.
أنا حامل! يا ياسر هنبقى بابا وماما!
سكت.. سكون طويل، وبارد، وتقيل أوي.
إنتي متأكدة؟ ده اللي قاله في الآخر.
طبعاً متأكدة! عملت الاختبار.. لأ، ده أنا عملت اتنين! يا ياسر إحنا بقالنا عمر بنحلم باللحظة دي!
طيب.. طيب، ماشي. بصي أنا مش عارف أتكلم دلوقتي، هكلمك بعدين.
قفل السكة، وفضلت واقفة في مكاني، التليفون في إيدي مذهولة. صوته مكنش فيه لا فرحة ولا لهفة، كان فيه برود غريب بيخوف. حاولت أقنع نفسي إنه أكيد بس اتصدم من المفاجأة ومش أكتر.
ياسر رجع بعد يومين. وصل البيت متأخر بالليل، كان باين عليه التعب والشرود، وكأنه شخص تاني غير اللي أعرفه.
ها يا بابا.. قولت له بابتسامة وأنا بحاول أضمه بدأت تتعود على الفكرة ولا لسه؟
ليلى، إحنا لازم نتكلم بجد، قالها وهو بيبعد عني بهدوء قاتل.
قلبي انقبض.. نبرة صوته كان فيها حاجة غامضة ومرعبة.
أنا قولت لأمي على موضوع الحمل ده.
وهي قالت إيه؟ حاولت أبتسم بالعافية أكيد طارت من الفرحة إنها
ياسر بص في الأرض وقال بجفاء
أمي شايفة إن ده مش وقته خالص.. المصاريف غليت، وإحنا لسه بنبني مستقبلنا، وهي بصراحة قالتها لي كلمة واحدة يا الإجهاض يا الطلاق.
الدنيا لفت بيا.. السقف كان هيقع فوق دماغي. الحلم اللي سهرنا عشانه ليالي، بقى فجأة غلطة لازم نتخلص منها عشان رضا ماما؟ هنا ليلى مابكتش، ولا اتوسلت.. ليلى قررت تختار الطريق التالت، الطريق اللي يحفظ كرامتها وكرامة الطفل اللي لسه مشافش النور.
بعد كلمة ياسر يا الإجهاض يا الطلاق، ساد الصمت في الصالة، بس الصمت المرة دي كان ليه صوت.. صوت شرخ في قلبي ملوش علاج.
إنت واعي للي بتقوله يا ياسر؟ سألته وصوتي طالع بالعافية.
رد عليا وهو بيبص في الناحية التانية
يا ليلى افهمي، أمي أدرى بمصلحتنا، بتقول إن البيت لسه عليه أقساط، وإن الطفل ده هيسحب ميزانيتنا كلها.. هي خايفة علينا!
ضحكت بوجع
خايفة علينا؟ فبتقولك نقتل ابننا اللي حلمنا بيه تلت سنين؟ إنت نسيت يا ياسر؟ نسيت التحاليل والعمليات؟
قام وقف بعصبية وخبط على التربيزة
ماتكبريش الموضوع! هي قالت لو نزل، هتساعدنا نجيب شقة أكبر، ولو صممتي.. هي مش هتدخل بيتنا تاني، وأنا مقدرش أعيش وأمي غضبانة عليا.. اختاري يا ليلى، يا أنا وأمي.. يا اللي في بطنك.
سابني ودخل الأوضة وقفل الباب وراه. في اللحظة دي، حسيت إن ياسر اللي حبيته مات، واللي جوه ده مجرد نسخة تانية بتتحرك بأوامر الحاجة صفية.
مواجهة الحاجة صفية
تاني يوم، مروحتش الشغل. نزلت بيت حماتي، كنت ناوية أتكلم بالعقل. أول ما
نورتي يا ليلى.. ها، ياسر بلغك بالقرار؟
قعدت قدامها وقلت بهدوء
يا ماما، ده حفيدك.. لحمك ودمك!
ردت بضحكة صفرا
حفيدي لما أكون أنا اللي مختارة وقته. أنا شايفة إن البيت محتاج استقرار مش عيل يربط ابني ويوقفه عن طموحه. تنزليه دلوقتي، وبعد سنتين تلاتة ابقي احملي تاني.
ولو منزلتوش؟ سألتها والتحدي بدأ يظهر في عيني.
بصت لي بنظرة قاسية وقالت
يبقى ملكيش مكان في عيلتنا. ابني هيطلقك، وهيرجع يعيش في حضني، وأنا هجوزه ست ستك.
خرجت من عندها وأنا مقررة الطريق التالت. مش هجهض، ومش هستنى ياسر يطلقني.. أنا اللي هكتب نهاية القصة دي بطريقتي.
الطريق التالت المفاجأة
رجعت البيت، لميت كل هدومي، ومسحت دموعي. فتحت اللاب توب.. أنا ليلى المحترفة في السوشيال ميديا، اللي بتصنع براندات لغيرها.. النهاردة هصنع مستقبلي. ياسر رجع البيت لقى الشنط محطوطة.
إيه ده؟ وافقتي تروحي المستشفى؟ سأل بلهفة غبية.
بصيت له بابتسامة ثقة
لأ يا ياسر.. دي شنطتي، أنا اللي ماشية. بس قبل ما أمشي، فيه ورق لازم تمضيه.. ورق تنازل عن نصيبك في الشقة دي، بما إني دفعت نص تمنها من شغلي. وتنازل عن أي حقوق ليك في الطفل ده. وإلا.. الفيديوهات اللي سجلتها لحماتك وهي بتهددني بالطلاق لو منزلتش البيبي، هتكون تريند مصر الأول بكره الصبح. إنت عارف شغلي كويس، وعارف إني أقدر أخلي فضيحتكم بجلاجل.
ياسر وشه بقى أصفر من الخوف.. أمه بتخاف من كلام الناس أكتر من أي حاجة.
إنتي بتهددينا يا ليلى؟
أنا
مضى وهو إيده بتترعش. خرجت من البيت، ركبت عربيتي، وحطيت إيدي على بطني وقلت
متخافش يا حبيبي، أنا وأنت وبس.. وهنكون أحسن عيلة في الدنيا.
المشهد الأخير المواجهة الكبرى
بعد شهور، ليلى بقت صاحبة أكبر وكالة دعاية، وابنها آدم بقى هو كل دنيتها. في الشهر السابع من حملها، الحاجة صفية حاولت تلم الدور لما عرفت إن ليلى كبرت وبقى معاها فلوس ومركز، فبعتت ياسر عشان يرجعها.
دخل ياسر المكتب عند ليلى، وشه باهت ومكسور
ليلى.. وحشتيني. أمي تعبانة وعايزاكي ترجعي البيت عشان ابننا يتربى في وسطنا.. إحنا كبرنا الشقة وعملنا حساب آدم في أوضة لوحده.
ليلى قامت من ورا مكتبها ببطء
سامحتني؟ هي مين عشان تسامحني يا ياسر؟ هي كانت نسيته وهو نطفة وعايزة تفتكره وهو بيتحرك في بطني؟
ياسر حاول يقرب
يا ليلى دي جدته، وليها حق عليه..
قاطعته ليلى بصوت زي السيف
جدته دي اللي كانت عايزة تدبحه قبل ما يولد! بص يا ياسر.. إنت جيت متأخر أوي. أنا اخترت الطريق التالت، الطريق اللي مفيهوش خنوع ولا كسرة. ابني هيتولد حر، هيعرف إن أمه كانت بطلة وحمته من عيلة مابتفكرش غير في المظاهر.
طلعت من درج المكتب شيك ورمته قدامه
ده باقي حقك في العفش، عشان مش عايزة أي حاجة تربطني بيكم. الباب من عندك يا ابن ماما.. آدم هيربي نفسه بنفسه، وأنا هكون له الأب والأم.
خرج ياسر وهو بيجر خيبته وراه، وليلى وقفت قدام الشباك، بصت للسما وابتسمت
تمت