ما تسواش مليم
مسحت دموعي بسرعة وخبّيت العلبة الصفيح ورا ضهري وأنا قلبي بيدق في ودني زي الطبلة. الكشافات بتاعة العربية كانت لسه ضاربة في الشباك، وبعد ثواني النور انطفى وصوت الباب وهو بيتقفل رزعه سمعتها في ضلوعي. مكنتش محتاجة أخمن ده مين، الريحة اللي كانت بتملى المكان فجأة مكنتش ريحة الغابة، كانت ريحة برفيوم "جمال" الغالي المستفز.
دخل من الباب وهو بينفض المطر عن البالطو بتاعه بمنتهى الثبات، وكأنه داخل مكتبه مش داخل بيت واحدة لسه مطلقها من ساعات. بص لي بنظرة كلها استعلاء، ومسح بعينه المكان بقرف وقال: "قلت لك ما تعمليش جنان يا ليلي.. إيه اللي جابك في الزريبة دي في نص الليل؟". حاولت أخلي صوتي ثابت على قد ما أقدر وقلت له: "دي ملكي يا جمال، وده مكاني.. أنت اللي إيه اللي جابك ورايا؟". ضحك ضحكة باردة وقرب من الدفاية الحديد وهو بيفرك إيده: "جيت أتأكد إنك بخير.. وعشان أعرض عليكي عرض أخير، كرم مني مش أكتر. العشة دي والأرض اللي حواليها، أنا مستعد أشتريهم منك بضعف
في اللحظة دي، حسيت بنار جوايا أشد من نار الدفاية. كان بيحاول يشتري "حق المرور" اللي في الجوابات، كان عايز يسيطر على الطريق اللي بيوصل لمشروع "بلو لوريل" الكبير اللي كان بيخطط له من ورا ضهري. بصيت له وطلعت الجوابات من ورا ضهري ورفعتها في وشه: "تقصد إنك عايز تشتري 'حق المرور' يا جمال؟ ولا عايز تشتري السكوت على إنك كنت بتسرق مجهود أمي وتخطط لمشروعك من سنين وأنت بتمثل دور الزوج المهتم؟".
وشه اتغير في ثانية، الابتماسية الشيك اختفت وظهر الوش الحقيقي اللي كان مخبيه تحت الكبكات الألماظ. قرب مني بغضب وهز صباعه في وشي: "هاتي الورق ده يا ليلي.. الورق ده ما لوش قيمة قانونية في إيدك، الأرض دي محاصرة، ومن غير موافقتي مش هتعرفي تدخلي لها مية ولا كهرباء.. أنا قفلت عليكي كل المخارج". رديت عليه بضحكة مكنتش أعرف إنها عندي: "أنت اللي ما بتفهمش يا جمال.. أمي مكنتش بتصلح خشب بس،
اتجنن وبدأ يزعق ويقول إنه هيهد المكان فوق راسي، وإنه هيخلي المحامين بتوعه يرفعوا مية قضية، بس فجأة سمعنا صوت عربية تانية جاية من بعيد. كانت خالة جميلة، ومعاها اتنين رجالة من ولاد عمي اللي جمال كان فاكر إنهم "شوية فلاحين مالهمش لزمة". دخلت خالة جميلة وهي شايلة في إيدها شنطة قديمة وقالت بصوت زي الرعد: "اطلع بره يا جمال.. المنبع ده أم مارجريت حفرته بإيدها وسجلته في الجمعية الزراعية من قبل ما تعرف شكلك.. والنهاردة ليلي مش لوحدها".
جمال بص حواليه لقى نفسه محاصر، مش بالفلوس ولا بالبدل الغالية، لكن بناس عارفين قيمة الأرض والملح. خرج وهو بيتوعد وبيرزع الباب وراه، وعربيته غرزت في الطينة وهو طالع، واضطر يستنى لغد الصبح عشان حد يقطره،
الصبح لما الشمس طلعت، وادي النطرون كان شكله مختلف تماماً. مكنتش شايفة عشة مايلة، كنت شايفة قلعة. جمال خسر كل حاجة في الصفقة الكبيرة لأن المنبع كان في إيدي، واضطر يدفع لي تمن الأرض والمرور والمية مبالغ خيالية عشان بس ينقذ شركته من الإفلاس. بعت المرسيدس اللي كان فاكر إنه قهرني بيها عشان يسدد ديونه، وأنا اشتريت البيت بتاعنا القديم من البنك وحولته لدار رعاية باسم أمي. والنهاردة، كل ما بمر قدام المحكمة، مش بفتكر دموعي، بفتكر الجملة اللي أمي كانت بتقولها: "أملكي الحاجه اللي شكلها وحش ومحدش يفكر يسرقها".. وفعلاً، العشة اللي كانت "ما تسواش" في نظر جمال، كانت هي اللي رجعت لي كرامتي وحياتي كلها.