الملاك المزيف
محمود وصل لياسين الأول.
زمان، الحكاية دي كانت بتوجعني لما بفتكرها، لحد ما فهمت ليه عمل كده.. ياسين كان أصغر، مبلول، ونفسه مقطوع. محمود شاله وحطه على البلاط ونايمه على جنبه، ونده عليّ بصوت عالي من غير ما يشيل عينه من على وش أخويا:
"ليلى.. إنتي كويسة؟ حصلك حاجة؟"
مقدرتش أرد.. زوري كان مقفول من كتر التهديدات اللي نيفين كانت بتهمس لي بيها طول الشهور اللي فاتت.
نيفين قالت ببرود: "يا محمود، دول كانوا بيلعبوا.. وهو اتزحلق."
محمود مبصلهاش أصلًا، وقال بلهجة حاسمة: "كلمي الإسعاف فورًا."
وقفت مكانها مابتتحركش.
دي كانت اللحظة اللي كل حاجة جواه اتغيرت فيها.
طلع تليفونه بنفسه وكلم الإسعاف، وبدأ يعمل اللي بيقولوه له في التليفون. وأنا كنت واقفة حافية جنب المية، بترعش، وياسين بيكح وبيطلع مية من صدره على الأرض. إيد والدي كانت بتترعش، بس كان بيحاول يتماسك بكل قوته.
عمري ما شفته خايف كدا قبل اللحظة دي.
لما الإسعاف وصلت، نيفين حاولت تقنعهم إن الموضوع مجرد حادثة، وبدأت تعيط بتمثيل متقن.. قالت إني "مهتزة"، وإن ياسين كان بيجري بتهور.. قالت إن حزني على أمي خلاني أحب "ألفت الانتباه". وفي لحظة مرعبة، خفت إن الكبار يصدقوها، لإنهم صدقوها كتير قبل كدا.
وفجأة، "أم السعد"، الست اللي بتساعدنا في البيت، دخلت من باب المطبخ وهي ماسكة شنطة مليانة ورق.
قالت بصوت واثق: "أنا معايا صور.. وبالتواريخ كمان."
أم السعد كان عندها 64 سنة، أرملة، ومكنتش شجاعة بالفطرة زي اللي بنشوفهم في الأفلام.. كانت خايفة بقالها أسابيع؛ خايفة تخسر شغلها، خايفة من تهديدات نيفين، وخايفة إن محدش يصدق
في ناس سألوا بعدها: ليه أم السعد سكتت كل ده؟
أنا كمان كنت بسأل نفسي.. بس دلوقتي عرفت إن الخوف ممكن يسجن الناس الطيبين، المهم هما هيقدروا يخرجوا من السجن ده إمتى.
في المستشفى، الدكاترة اطمنوا على رئة ياسين وعلى وزني اللي كان نزل جدًا. ممرضة جابت لي بطانية دافية، وبابا قعد جنب سريري وهو حاطط وشه بين إيديه.
قال بصوت واطي: "أنا مشفتش ده."
افتكرته بيكلم حد تاني.
بس بص لي وقال: "أنا مشفتكوش يا ليلى."
دي كانت أول كلمة صادقة أسمعها من حد كبير بقالي شهور.
تاني يوم، جات لنا واحدة اسمها "رشا"، كانت بتشتغل محققة وفتحت مكتب خاص للحالات دي. بابا جابها عشان يجمع أدلة المحامي ميعرفش يكسرها. رشا اتكلمت معايا براحة، مكنتش بتضغط عليّ عشان أحكي وجعي. سألتني نيفين بتشيل المفاتيح فين، وإيه الأوض اللي بتخوفني، وهل حد كان بيزورها وبابا مش موجود.
حكيت لها عن واحد اسمه "منصور" جه البيت مرتين وكان بيتخانق مع نيفين في الجراج.
الاسم ده خلى رشا تسكت خالص.
الاختيار الصعب جه لما رشا قالت لبابا إنها محتاجة أدلة زيادة قبل ما الشرطة تقبض عليها، عشان يتأكدوا لو نيفين دي آذت أطفال تانين قبلنا. طلبت منه إن نيفين متعرفش إننا اتكلمنا لحد ما يجمعوا كل السجلات.
محمود كان كاره الفكرة، كان عايز يطردها ويحبسها في لحظتها، بس اختار إنه يحمينا بذكاء: قدم على حضانة طارئة،
على يوم الجمعة، رشا لقت بلاوي: أسماء مستعارة، شكاوى قديمة، وعائلات فقدت أطفالها في "حوادث" غامضة.
الكابوس بتاعنا طلع جزء من حكاية تانية أكبر بكتير.
نيفين اتقبض عليها بعد أربع أيام من رجوع بابا بدري.
الموضوع مكنش فيه دراما نص الليل، كان هادي زي ما الحقيقة دايمًا بتبان في الآخر. المحققين جم ومعاهم أمر ضبط وإحضار. رشا أدتلهم كل حاجة: التقارير الطبية، مذكرات أم السعد، تفريغ كاميرات المراقبة اللي كانت عند المسبح، وسجلات البنوك، وخيوط وصلتهم لبيوت تانية نيفين دخلتها بأسماء مختلفة.
"منصور" اللي شفناه في الجراج، اعترف بكل حاجة لما الشرطة واجهته بأدلة النصب. هو ساعدها تنقل فلوس من رجالة كانت لسه مراتها ميتة وتغطي على ماضيها. مكنش بريء، بس شهادته ساعدت في فتح قضايا قديمة كانت اتقفلت على إنها "قضاء وقدر".
المحكمة فضلت سنة كاملة.
أنا شهدت مرة واحدة، عن طريق فيديو، وكان جنبي كلب للراحة النفسية. محكيتش كل حاجة، الكبار كانوا عرفوا كفاية عشان يشيلوا عني الحمل ده. نيفين اتحكم عليها بتهم تعذيب أطفال، وشروع في قتل، ونصب، وجرايم تانية تخص عائلات تانية.. مش هتشوف النور تاني.
العدل ريحنا.. بس معالجش كل حاجة.
ياسين فضل يجيله كوابيس سنين. وأنا كنت بخبي الأكل في درج مكتبي. بابا بطل يسفر لفترة طويلة، ولما رجع يسافر، بقى يسافر بطريقة تانية: رحلات قصيرة، مكالمات يومية، وناس حوالينا اخترناهم عشان قلوبهم طيبة مش عشان شكلهم شيك. وباع الفيلا.. قال إن الأوض هناك اتعلمت إزاي تخبي أسرار توجع.
عزلنا لبيت أصغر في المعادي، من غير حمام سباحة، وترابيزة سفرة مخربشة تحسسك إنها حقيقية. بابا اتعلم يعمل بيض مقلي، وبقى يحضر معانا جلسات العلاج النفسي. كان بيسمعني وأنا بطلع غلي وبقوله: "إنت سبتنا معاها."
كان بيرد بجملة واحدة: "فعلاً.. وهقضي بقية عمري أثبت لك إني موجود دلوقتي."
وده كان عندي أهم من أي اعتذار.
أم السعد فضلت معانا، وبقت فرد من العيلة. رشا المحققة فضلت تسأل علينا، وأنا بظن إنها كانت محتاجة تشوف أطفال نجوا من الجحيم عشان تقدر تكمل شغلها.
بعد سنين، أنا بقيت محامية متخصصة في حقوق الطفل.
الناس فاكرة إني اخترت الشغل ده بسبب نيفين.. بس الحقيقة أنا اخترته بسبب أم السعد، ورشا، والممرضة اللي جابت لي البطانية، وبسبب أبويا اللي غلط غلطة كبيرة بس رفض يستمر فيها لما عرف الحقيقة. القسوة غيرت طفولتي، بس الشجاعة هي اللي أنقذت الباقي من عمري.
أنا وبابا قريبين دلوقتي، بس مش "عيلة مثالية".. العائلات المثالية بتقلقني. إحنا عيلة صادقة، عارفين إن السكوت خطر، وإن الحب مش بالفلوس والفلل، الحب إنك تكون موجود لما بنتك تقولك "أنا تعبانة" وتلاقي حد يسمعها بجد.
ياسين كبر وبقى مدرس ابتدائي.. بيقول إن العيال بيحكوا كل حاجة، بس لو ركزت في اللي مبيقولهوش.
وأنا مصدقاه.
أما أنا، فسه لسه مبحبش حمامات السباحة، وبسيب نور الطرقة شغال بالليل.. الوجع بيسيب عادات صغيرة مابتتمسحش. بس حياتي حلوة.. متجوزة راجل حنين، وعندي بنة عارفة إن الكبار يتوثق فيهم، لاني بشتغل كل يوم عشان أخلي ده حقيقة.
ساعات الإنقاذ بيبدأ بإن شخص يرجع بيته بدري شوية.
وساعات التكفير عن الذنب بيبدأ
تمت