عرفت الحقيقة متأخر
فتحت رسالة لبنى تالت ورابع وأنا حاسة بانتصار بارد بيجري في عروقي. "أنتي عملتي إيه في البيت؟".. الكلمة دي كانت معناها إن المحامي بتاعي وصل لهم، وإنه نفذ اللي اتفقنا عليه؛ بيت العيلة اللي مسجل باسمي، واللي هما عايشين فيه ومنشفين ريقي بمصاريفه، اتحط عليه "حظر بيع" واتبعت لهم إنذار بإخلاء الدور الأرضي اللي كنت ناوية أجره عشان أسدد ديوني.
الموبايل مابطلش رن، وفجأة لقيت الباب بيخبط بهستيريا. فتحت الكاميرا بتاعة الباب، لقيت "إلهام" واقفة وشها أحمر ومنهارة، ووراها لبنى بتصرخ. فتحت الباب وأنا سانده على العكاز بتاعي، وبصيت لهم ببرود مرعب. "إلهام" أول ما شافتني، ما سألتش عن جرحي، صرخت في وشي: "أنتي اتجننتي يا ليلى؟ المحامي جاي يقولنا إن البيت مابقاش من حقنا نتصرف فيه؟ أنتي عاوزة ترمي أختك وأمك اللي ربتك في الشارع؟"
ضحكت ضحكة وجعت جنبي أوي، وقلت لها بصوت هادي: "ربيتيني؟ أنتي سبتيني ملقحة زي الكلبة بعد العملية ورحتي تصيفي بفلوسي! اطلعي بره يا إلهام، أنتي
هنا "إلهام" ملامحها اتغيرت، وبصت لي بكرة مريب وقالت لي كلمة خلت الدنيا تلف بيا: "أنا فعلاً غلطانة إني ما رميتكيش من زمان.. كان قلبي حاسس إنك هتطلعي واطية وزي أمك اللي ماتت وسابتك ليّ همّ تقيل من وأنتي لسه لحمة حمرا!"
البيت كله سكت. بصيت لها بذهول وقلت لها: "أمي مين اللي ماتت؟ أنتي بتقولي إيه؟"
ضحكت لبنى بسخرية وقالت: "إيه ده؟ أنتي كنتي فاكرة إنك بنتها بجد؟ يا حبيبتي إحنا مخبيين عليكي طول السنين دي عشان نضمن إنك تفضلي شغالة عندنا.. أنتي بنت الست اللي أبويا اتجوزها على ماما إلهام وماتت وهي بتولدك، ولما بابا اتجوز ماما إلهام تاني عشان تربيكي، خلف منها 'لبنى'.. يعني أنتي يدوبك أخت لبنى من الأب، وماما إلهام دي مالكيش صلة بيها أصلاً!"
في اللحظة دي، شريط حياتي كله مر قدام عيني. افتكرت أبويا اللي مات من كذا سنة، وافتكرت معاملته الحنينة ليّ اللي كانت دايماً بتمثل لغز لإلهام، وافتكرت وصيته قبل ما يموت لما قعد يوصيني على البيت
إلهام كملت بقسوة: "أبوكي ساب لك البيت باسمك عشان كان عارف إنك مش بنتي، وفضل مخبي عليكي الحقيقة طول عمره عشان ما تتكسريش، وأنا سكت وربيتك بس عشان القرشين اللي كان سايبهم لك، وعشان تخدميني أنا وبنتي لما نكبر.. بس إحنا عرفنا نستغل 'الجدعنة' بتاعتك صح."
بصيت لها وقوة غريبة نازلة عليا، وطلعت موبايلي من جيبي، وكنت فاتحة "تسجيل" من أول ما دخلوا. "سمعت يا سيادة المحامي؟" قلتها وأنا ببص للموبايل. المحامي كان معايا على الخط وسامع الاعتراف الصريح بالحقيقة وبالابتزاز.
قلت لها بصوت زي الموس: "أولاً، بما إنك اعترفتي إني مش بنتك، فده يسهل عليا جداً إني أطردك من بيتي النهاردة قبل بكرة، لأنك قانوناً غريبة عني. ثانياً، لبنى أختي ليها حق شرعي في ميراث أبويا، بس بما إن البيت مسجل 'بيع وشراء' باسمي من وأنا صغيرة كمنحة من أبويا، فمالكمش عندي نكلة."
وش "إلهام" بقى لونه أزرق، ولبنى
شاورت لهم على الباب وقلت بصرامة: "قدامكم 24 ساعة، تلموا هدومكم وتطلعوا من البيت ده، وإلا هبعت البوليس يخرجكم بملابس البيت وفضيحتكم هتبقى بجلاجل وسط الجيران. أما بالنسبة لفلوسي اللي اتصرفت، فدي هعتبرها تمن الدروس اللي اتعلمتها منكم.. والدرس الأهم إن الدم مش دايماً بيبقى مية، ساعات بيبقى سم."
طردتهم وقفلت الباب، ولأول مرة من سنين حسيت إني بتنفس هوا نضيف. دخلت أوضتي، وفتحت درج قديم كنت فاكراه فيه صورنا سوا، وطلعت صورة لأبويا، وبصيت لملامحي في المراية.. لأول مرة أشوف ملامح أمي الحقيقية في وشي، مش ملامح إلهام القاسية.
بعد أسبوعين، البيت فضي تماماً. بعته واشتريت شقة صغيرة في مكان هادي، وبدأت حياتي من جديد بقلب جديد، وكل ما افتكر رسالة لبنى وهي بتعيط وتطلب السماح عشان "الفيزا" اتقفلت عليها وهي في نص الطريق، ببتسم وبقفل الموبايل، وبقول لنفسي: "النهاردة بس يا ليلى.. أنتي بدأتي تعيشي