سر الدبوس الذهبي

لمحة نيوز

كان الشارع يتوهّج بذلك الجمال المسائي الذي يُخفي الألم في وضح النهار. تدلّت الأضواء الخيطية فوق الرؤوس كنجومٍ دافئة، وعكست واجهات المتاجر لمعانًا ذهبيًا على الرصيف، وكان الناس يمرّون في ظلالٍ ناعمة، منشغلين بحيواتهم التي بدت بعيدةً عن أيّ متاعب.

​ثمّ امتدّت يدٌ صغيرة لتقبض على السلسلة الذهبية لحقيبتها. استدارت المرأة الأنيقة ذات المعطف البيج فورًا؛ بحِدّة، بغضبٍ ممزوجٍ بالاستياء، وبحركةٍ دفاعية سحبت حقيبتها بعنفٍ إلى جانبها وهي تهر الصبي: «لا تلمسني!»

​وقف أمامها صبيٌّ صغير بثيابٍ مهترئة، ووجهٍ متّسخ، وخوفٍ في عينيه، لكن كان في وقفته شيءٌ أثقل بكثير من مجرّد الذعر. ارتجف عند سماع صوتها، لكنه لم يهرب، وكان ذلك أول أمرٍ غريب. أما الثاني، فكان ما قاله بعد ذلك: «لكن… لديكِ الدبوس نفسه.»

​توقّف غضب المرأة للحظة واحدة، ثم فتح الصبي كفّه المرتجفة ببطء؛ كان بداخلها دبوسٌ ذهبيّ دقيق على

شكل ورقة، تتوسّطه جوهرة زرقاء على هيئة قطرة دمعة. ودون أن تشعر، ارتفعت يد المرأة إلى ياقة معطفها، حيث كان الدبوس نفسه مثبتًا.

«عمّا تتحدّث؟» سألت بصوت مخنوق. رفع الصبي نظره إليها بعينين دامعتين: «أمّي لديها مثله.. قالت إن المرأة التي تحمل الدبوس الآخر هي أخت أمّي.»

​تجمّدت المرأة تمامًا. قبل سنوات، صُنع هذا الدبوس على شكل زوج—واحد لها، وآخر لشقيقتها الصغرى "ليلى"، في الليلة التي تعاهدتا فيها ألا يفرقهما والدهما. ثم اختفت ليلى، وقالت العائلة إنها ماتت، أما الدبوس الثاني فلم يُعثر عليه أبدًا.

​أخرج الصبي صورةً مطوية من جيبه؛ وفي تلك الصورة الباهتة، كانت أختها الصغرى حيّة، أكبر سنًا وأنحف، تقف إلى جانب الصبي نفسه. في تلك اللحظة، بدا الشارع كلّه غير حقيقي، كأنّ الموتى خرجوا لينادوها باسمها.

​سألت بصوت أقرب للتوسل: «أين هي؟»

أجاب الصبي وهو يقبض على الصورة: «لم تستطع المجيء.. قالت

إنهم سيراقبونكِ.»

​جعلها ذلك تنظر خلف كتفها غريزيًا. فوالدها لم يكن يكره الفضيحة فحسب، بل كان يسيطر على الناس ويمحوهم، وعندما وقعت أختها في حبّ الرجل الخطأ، اعتبرت العائلة ذلك "تلوّثًا" وأخفت الأخت تمامًا.

​قطع صوت الصبي أفكارها: «قالت إنكِ أبقيتِ دبوسكِ إن كنتِ ما زلتِ تحبّينها.. وهي الآن مريضة، وقالت إذا وجدتكِ، ستعرفين أين تُخفيننا.»

​اتّصل الماضي كلّه في مكانه؛ لم يعد الأمر يتعلّق بالعائلة، بل بخطرٍ ما زال حيًّا. والدها رحل، لكن أمثاله يتركون خلفهم أنظمة من المراقبين والأتباع. جثت المرأة على رصيف المدينة المتوهّج وسألته: «هل أخبرتك باسمي؟»

أومأ الصبي ودمعة تنزلق على خده: «قالت إذا خفتُ أن أنطق به مرةً واحدة، وستأتين.»

​ارتفعت المرأة ببطء، لم تعد تلك المرأة التي تحمي حقيبتها، بل إنسانة استيقظت بعد نوم طويل. سألت بخفوت: «ما اسمها الآن؟»

مسح الصبي دموعه وقال كأنه ينطق بشيءٍ

مقدّس: «ما زالت ليلى.»

​اهتزّ قلبها للاسم الذي حُذف من تاريخ البيت. سألت بقرار حاسم: «أين هي الآن؟»

نظر الصبي حوله بسرعة وهمس: «لسنا آمنين هنا.»

​أدركت أن الخطر ليس ذكرى، بل حاضر يراقب. قالت بسرعة: «تعال معي.» ركبا سيارة أجرة، وأعطت السائق عنوانًا قديمًا بعيدًا عن الأعين. وبينما كانت السيارة تشق زحام المدينة، أسند الصبي رأسه على كتفها؛ لم تُبعده، بل وضعت يدها فوق رأسه برفق، وكأنها تتعلّم دور "المأمن" من جديد.

​وفجأة، لمحت في المرآة سيارة خلفهم، ثابتة المسافة والسرعة منذ ثلاث إشارات. تجمّد قلبها لكنها لم تُظهر الذعر. همست للسائق: «غيّر الطريق.. أي طريق فرعي الآن.»

​دخلوا شارعًا جانبيًا ضيقًا، لكن السيارة تبعتهم. لم تعد هي الأخت التي تركت شقيقتها تختفي قديمًا، شدّت على يد الصبي وقالت بهدوء: «تمسّك بي.»

​كانت السيارة تسير والظل خلفهم لا يبتعد، لكن داخلها كانت المعركة قد

بدأت؛ معركة بين ما تمّ دفنه لسنوات، وما قرّر أخيرًا أن يعود إلى الحياة.

تم نسخ الرابط