وهب رجل فقير مدخرات عمره لفتاة صغيرة
أعطاها آخر ما يملك وهي تبكي… وبعد سنوات عاد القدر ليُفاجئه بما لم يتخيّله أحد
قد ضاعت رسومُ نعومي الدراسية في طريقها إلى المدرسة. كانت قد وضعتها بعنايةٍ في حقيبتها، لكنّها من شدّة استعجالها للحاق قبل إغلاق بوابة المدرسة نسيت أن تُحكم سحّاب الحقيبة، فسقط المال منها دون أن تشعر. ومضت تمشي تحت شمس الصباح، والدموع تنحدر على خدّيها بلا توقّف.
كانت تبكي بحرقةٍ جعلت المارّة يلتفتون إليها، لكنّ أحدًا لم يتوقّف ليسألها. وعلى جانب الطريق جلس رجلٌ في كشكٍ صغيرٍ لتصليح الأحذية. رفع رأسه، فرأى الفتاة تبكي، فحرّك ذلك الشفقة في قلبه، ونهض مسرعًا وقال بلطف:
يا ابنتي، لماذا تبكين هكذا؟
مسحت نعومي وجهها بظاهر يدها، واستنشقت أنفاسها وهي تنتحب:
يا سيدي، لقد فقدتُ رسوم المدرسة. لا أدري كيف حدث ذلك. فتّشتُ في كل مكان، ولم أجد المال.
اقترب الرجل منها وقال بهدوء:
اهدئي يا ابنتي، أخبريني ما الذي جرى.
شرحت نعومي وهي تحاول كبح دموعها:
أعيش مع أمّي وزوج أمّي. كانت أمّي تعمل مُعلّمة، لكنها فقدت عملها. والآن زوج أمّي هو من يُنفق علينا، وهو شديد القسوة. أعطاني المال اليوم لأسدّد رسوم المدرسة، وقال لي لا تعودي إلى البيت دون إيصال المدرسة، وإن لم أحضر الإيصال فسوف يعاقبني وربما يطردني أنا وأمّي
انكسر قلب الرجل لكلامها. لم يكن يملك الكثير؛ كان يعمل في تصليح الأحذية قرب الطريق ليكسب قوته، وما جمعه في ذلك الشهر كان آخر ما لديه، وكان يدّخره لإيجار البيت. ومع ذلك، حين نظر إلى وجه نعومي المذعور، لم يتردّد.
سألها بصوتٍ خافت:
كم مقدار الرسوم؟
أجابت بصوتٍ مرتجف:
أربعة آلاف نايرا.
أدخل الرجل يده في بنطاله الباهت وأخرج رزمةً صغيرة من الأوراق النقدية؛ كانت كل ما جمعه في ذلك الشهر. تردّد لحظةً قصيرة، ثم وضع المال في يد نعومي وقال بابتسامةٍ ضعيفة:
خذي يا ابنتي، اذهبي وادفعي رسوم المدرسة.
اتّسعت عينا نعومي دهشةً وقالت:
حقًّا؟ أنت متأكّد؟
هزّ رأسه مؤكدًا:
نعم يا ابنتي. تذكّرينني بحفيدي في البيت. اجتهدي في دراستك، ولا تصاحبي رفاق السوء. ستصبحين عظيمةً يومًا ما.
شدّت نعومي المال إلى صدرها ومسحت دموعها وقالت بامتنان:
شكرًا لك يا سيدي. أعدك أن أجعلك فخورًا، وإذا أصبحتُ غنيّةً يومًا، فلن أنساك.
ابتسم الرجل وقال:
المهم ألا تنسي اسمي.
قالت سريعًا:
لن أنسى.
ووضع يده برفقٍ على رأسها وتمتم بدعاءٍ خافت، ثم عاد إلى كشكه وهو لا يملك طعامًا لنفسه، لكنه كان سعيدًا لأنه أنقذ فتاةً من الخوف والمهانة. أمّا نعومي فركضت نحو المدرسة قبل أن تُغلق البوابة.
حين عادت إلى البيت،
هل دفعتِ الرسوم؟
أومأت نعومي:
نعم يا أمّي.
قالت الأم:
أريني الإيصال.
ناولتها نعومي الإيصال ثم خفضت رأسها:
لكن يا أمّي يجب أن أخبرك بشيء… لقد فقدتُ المال في طريقي إلى المدرسة.
تغيّر وجه الأم وقالت بقلق:
كيف فقدتِه؟ هل تعلمين ما يعنيه هذا المال لنا؟
قالت نعومي:
أنا آسفة… لكن أحدًا ساعدني.
سألت الأم:
من؟
أجابت:
رجل يعمل في تصليح الأحذية قرب الطريق… أعطاني أربعة آلاف نايرا، قال إنها آخر ما لديه… اسمه جونسون.
ساد الصمت لحظة، ثم قالت الأم:
يجب أن نذهب لنشكره.
وفي نفس اليوم، كان جونسون يواجه مصيبة أخرى. جاءت شاحنات ورجال بزي رسمي وبدأوا في هدم الأكشاك على جانب الطريق. لم يُمهلوه وقتًا، فتحطّم كشكه وتناثرت أحذيته، وتحول كل ما يملك إلى حطام.
وقف مذهولًا وهو يفكّر:
كيف سأُطعم حفيدي أندرو؟
عاد إلى منزله ليجد أغراضه في الخارج وصاحبة البيت تقول:
لم تدفع الإيجار منذ سنة ونصف… اخرج الآن.
احتضن حفيده وقال بصوت مكسور:
سامحني يا بني.
ناما تلك الليلة في العراء، بلا طعام ولا مأوى. وفي الصباح قرر أن يذهب إلى صديقه سايمون.
استقبله سايمون بحفاوة، وبعد أن سمع قصته قال:
ابقَ هنا وخذ البيت مكاننا، لن تدفع شيئًا الآن.
ثم أعطاه مالًا ليبدأ من جديد.
بعد أيام،
جلستا أمام متجر صغير، وجاء رجل فقير يطلب مالًا، فأعطته الأم جزءًا مما معها، فأعطاها تذكرة سحب.
بعد أيام، اكتشفت أنها ربحت مئة مليون نايرا.
تغيّرت حياتهما تمامًا. انتقلتا إلى بيت كبير، ونجحت نعومي في دراستها حتى أصبحت سيدة أعمال ناجحة. لكنها لم تنسَ جونسون أبدًا، وظلت تبحث عنه.
في بلدة بعيدة، كان جونسون يكافح مع حفيده. فتح كشكًا صغيرًا، وكبر أندرو وساعده.
وفي يوم، توقفت سيارة فاخرة ونزلت منها سيدة أنيقة. أصلح أندرو حذاءها ورفض أخذ المال، فأعجبها أخلاقه، وعرضت عليه وظيفة.
بدأ العمل لديها، وبعد فترة تعرّف على ابنتها… نعومي.
نشأت بينهما قصة حب، وتمت الموافقة على زواجهما.
ذهب أندرو مع نعومي لزيارة جدّه. وعندما رأت نعومي جونسون، سألته:
هل اسمك جونسون؟
قال:
نعم.
قالت والدموع في عينيها:
أنا الطفلة التي أعطيتها مالك يومًا.
تجمّد الرجل، ثم انفجر بالبكاء.
قالت:
بحثت عنك سنوات… واليوم جئت لأردّ لك الجميل.
في اليوم التالي، أعطته شيكًا بعشرة ملايين نايرا، ومنزلًا جديدًا باسمه.
بكى جونسون وقال:
يا رب… لم تنسَني.
تم زواج نعومي وأندرو، وعاشوا حياة سعيدة.
وهكذا أثبتت الأيام أن فعلًا صغيرًا من الرحمة قد يعود يومًا بأضعافه، في الوقت الذي لا يتوقّعه أحد.