شرخ في العيلة روايات نرمين
أختي زقتني في الباب الإزاز بكل قوتها، لدرجة إني ملحقتش حتى أرفع إيدي أحمي وشي.
في ثانية واحدة، كنت واقفة في الطرقة فوق، وماسكة فستان على إيدي، والشمس داخلة من الشباك الصغير اللي فوق السلم.. وفي الثانية اللي بعدها
صوت تكسير زي ضرب النار.
هوا ساقع هجم على جسمي.
والإزاز المتفرفر بيلمع في النور بشكل مش حقيقي.
أنا فاكرة الوجع اللي شق رقبتي.
خبطة الخشب الناشف في ضهري وأنا بقع.
وفوقي صوت أختي.
مكانتش خايفة عليا.. كانت خايفة من اللي عملته.
وبعدها الدنيا كلها اسودت.
الناس دايماً فاكرة إن المصايب بتبدأ بعلامات واضحة.. رعد، صوت عالي، حاجة بتتحطم.. بس حكايتي بدأت بحاجات أصغر بكتير. صوت المكواة وهي ماشية على طرف قماش، ريحة ملمع الخشب في الطرقة.. اللحظات العادية دي هي اللي بتخدعك وتفهمك إن مفيش حاجة هتتغير.
بس القصة مابدأتش من هنا.
أنا اسمي ليلى.. وطول عمري، أكتر حاجة كنت بعرف أعملها عشان أكون في أمان.. هي إني أسكت روايات_نرمين
من برا، بيتنا كان زي أي بيت في المنطقة الهادية اللي ساكنين فيها في المعادي. جنينة متظبطة، شجر متساوي، وكل حاجة في مكانها. أمي كانت بتعشق التماثل.. براويز الصور مرصوصة بالمسطرة على حيطان الطرقة، بس كل الصور كانت بتحكي نفس الحكاية.
أختي الكبيرة، آية.
آية بزي النادي، آية وهي شايلة
كان فيه صور ليا أنا كمان.. قليلين.. وغالباً بكون في طرف الصورة. ببتسم الابتسامة اللي بتتعلميها لما تفهمي بدري إنك لما ماتاخديش مساحة كبيرة، الدنيا بتمشي أسهل.
آية كانت أكبر مني بتلات سنين. من وهي في إعدادي كانت أطول، صوتها أعلى، وبتلفت النظر أكتر. نوع البنات اللي الكبار بيحبوه فوراً، واللي الناس بتعدل نفسها عشان يرضوها. لما كانت تدخل مكان، كل حاجة بتتحول ناحيتها.. لما كنت أدخل أنا، الناس كانت بتقول آه.. ودي أكيد الأخت الصغيرة.
مظنش إن آية اتولدت شريرة، هي اتولدت جعانة.
جعانة اهتمام.. جعانة سيطرة.. عايزة الكون كله يلف حواليها هي وبس.
وفي بيتنا، ده اللي كان بيحصل فعلاً.
حالتها المزاجية مكانتش مجرد مشاعر، كانت حدث بنستعد له.
لو اتعصبت إحنا اللي بنهدي اللعب.
لو عيطت كلنا بنواسي.
لو اتضايقت الدنيا بتقف، والخطط بتتغير، والأعذار بتتحضر قبل ما حد يسأل.
لو أنا عيطت؟ كنت باخد منديل.. ونظرة عتاب.
لو اتوجعت؟ كان بيتقال لي متكبريش الموضوع.
أول ذكرى مانستهاش أبداً كانت وأنا عندي 12 سنة. كنت قاعدة على سلم الجنينة ورا ومعايا كشكول الرسم، برسم قصرية زرع مكسورة. الجماد مابيتكلمش، مابيحكمش، ومابيقاطعش.
من ورا باب المطبخ الموارب، سمعت ماما وآية بيتكلموا. ماما كانت
فجأة آية قالت جملة قسمت حياتي ل قبل وبعد
إنتي خلفتيها ليه أصلاً؟
سكتت تماماً. بطلت أرسم.. واستنيت.
استنيت ماما تضحك، تبهدلها، تقول أي حاجة تدافع بيها عني.. بس معملتش كده.
نفخت بضيق وتعب، كأنها بتتعامل مع مشكلة بسيطة
متبدأيش بقى يا آية.
بس كده.
لا دفاع.. ولا دي أختك.. ولا عيب.
مجرد متبدأيش.
وبعد ثواني، ماما كملت بصوت واطي إنتي لسه بنتي المميزة يا حبيبتي.
فضلت بصه لإيدي لحد ما الرسمة غبشت قدام عيني.
من بعدها، بدأت ألاحظ كل حاجة.
إزاي غضب آية بيبقى حالة طوارئ في البيت، وإزاي نجاحاتي أنا مابتتحسش.
إزاي بابا كان بيقول لي فوتيها يا ليلى قبل حتى ما أكمل كلامي.
إزاي ماما كانت بتقول إنتي عارفة أختك عاملة إزاي، وكأن قسوتها دي قدر محتوم أو قطعة عفش في البيت محدش مسؤول عن تصليحها.
في الأول، كانت حاجات صغيرة.. آية تستلف لبسي وتبوظه.. تخبي شاحن اللاب توب قبل برزنتيشن مهم.. تتريق على صوتي لحد ما بطلت أتكلم خالص.
روايات_نرمين
مرة قرصتني في دراعي جامد لدرجة إنها سابت علامة زرقا.. ولما صرخت، ضحكت وقالت يا ساتر.. إيه الحساسية دي كلها؟
ماما حتى مارفعتش عينها من الموبايل، وقالت ببرود يا بنات..
كلمة بنات كانت كلمتها المفضلة.. كلمة شيك بتغطي بيها حاجات
في البيت اللي جنبنا كان ساكن ياسين. كبرنا مع بعض، بنلعب في الشارع ونقسم الشوكولاتة ما بيننا. هو بقى أهدى لما كبر، بس مبقاش بارد. كان بيلاحظ.
لاحظ لما بطلت أخرج.. لما بقيت بتخض من الأصوات العالية.. ولما بقيت بلبس كم طويل في عز الصيف.
في يوم شاف العلامة اللي في دراعي.
سألني إيه ده؟
قلت له خبطت في الباب.
بص لي بتركيز أكتر من اللازم، وبعدين ناولني عصير وقال ابقي اختاري باب أذكى المرة الجاية.
دي كانت أقرب مرة حد يحسسني إنه فاهمني.. من غير ما يوجعني.
لما آية وصلت ثانوي، بقت الكورة الطايرة هي حياتها. جراج بيتنا بقى ريحته عرق وكوتشيات وطموح. أهلي بنوا حياتهم على جدول تمريناتها.. ماتشاتها.. مستقبلها. وآية كانت بتعشق ده.. بتعشق إن الناس تتفرج عليها، والأهم.. إنها تكون محل إعجاب.
لفترة، كانت فاكرة إن ده مش هيخلص أبداً.
لحد ما جت تانية ثانوي.. وكل حاجة بدأت تهرب من إيدها. إصابة.. زميلة تانية أشطر.. ماتشات وحشة.. وطريق الرجوع للبيت بقى كله سكوت.
وحاجة جوا آية.. بدأت تتكسر.
في نفس الوقت ده، أنا لقيت حاجة ملكي لوحدي. الفن. المكان الوحيد اللي أفكاري فيه بتبطل صريخ، والمكان الوحيد اللي موجودة فيه من غير ما أتقارن بحد.
قدمت من وراهم في منحة فنون في جامعة بره.
ماقولتش لبابا ولا لماما.. ولا لآية.
ياسين
الإيميل جه يوم تلات. مطر خفيف