أعطوه بئر جاف

لمحة نيوز

كانت الظهيرة حارقة في قرية سونورا، حين وقف رودريغو، أغنى ملاك الأراضي، فوق حصانه الأصيل يرمق ماتيو بنظرة ملؤها الاحتقار والشماتة. بضحكة مجلجلة تردد صداها في الوادي، صرخ رودريغو وهو يلوح بأوراق البيع: "أيها الأحمق! لقد بعتك بئراً جافاً وأرضاً ميتة مقابل كل مدخرات عمرك، الآن ستموت عائلتك عطشاً بينما أنا أضحك بمالك". انصرف رودريغو تاركاً ماتيو راكعاً بجوار البئر الفارغ، يمسك بتلك الأوراق بيدين متشققتين من كدح خمسة عشر عاماً قضاها كأجير، يجمع البيزو فوق البيزو ليحقق حلماً واحداً وهو أن يمتلك أرضاً يحرر بها عائلته من ذل الحاجة.
في تلك الليلة، وقف ماتيو أمام فوهة البئر المظلمة، ولم يجد فيها إلا الصمت ورائحة الحجارة الساخنة، فكان رودريغو محقاً في شيء واحد؛ البئر كان جافاً تماماً. لكن زوجته إسبيرانزا اقتربت منه ووضعت يدها على كتفه بإيمان قائلة:

"إذا كان الله قد مكننا من هذه الأرض، فلا بد أن فيها سراً لم يدركه غيرنا". ومع بزوغ أول خيط للفجر، أمسك ماتيو بمعوله وبدأ الحفر، وبينما كان الجيران يمرون ويسخرون منه قائلين إنه يبحث عن الماء في الجحيم، كان هو يزداد إصراراً، حافراً متراً بعد متر، نازف اليدين، محترق الظهر من شمس لا ترحم.
في اليوم الرابع، وبينما كانت الشمس في كبد السماء، ارتطم معوله بجسم غريب، ولم يكن صوت ارتطام بحجر، بل رنين معدني حاد. بلهفة المحتاج، أزاح التراب بيديه ليرى بريقاً أصفر يخطف الأبصار؛ لم يكن ذلك ماءً، بل كان زاوية صندوق قديم مدعم بالحديد. بذل ماتيو آخر ما تبقى له من قوة ليخرج الصندوق من قاع البئر، وحين فتح الغطاء، توقف الزمن؛ لقد وجد كنزاً من الذهب والعملات القديمة والسبائك التي تعود لزمن الثورة، ثروة كانت تنتظر من يخلصها من باطن الأرض تحت ذلك البئر الذي وصفه
الجميع بالميت.
لم يصرخ ماتيو ولم يضحك، بل سقط ساجداً والدموع تشق طريقها فوق الغبار الذي غطى وجهه، هامساً بالشكر لله الذي لم يضيعه. وسرعان ما انتشر الخبر في القرية كالبرق، فجاء رودريغو يركض بفرسه، والغضب يشتعل في عينيه، صرخ بماتيو: "هذا ملكي! الأرض كانت لي لسنوات!"، لكن ماتيو وقف بثبات لم يعهده فيه أحد من قبل، ونظر إليه مباشرة قائلاً: "لقد بعتني الأرض بما فيها، ووقعت العقود وسخرت من جوعي، والقانون اليوم لا يحمي المتكبرين". انسحب رودريغو منهزماً أمام أعين الناس الذين رأوا جبروته يتهاوى لأول مرة.
لكن المعجزة الحقيقية لم تكن في الذهب، بل في ما فعله ماتيو بعد ذلك. فقد أدرك بقلبه المؤمن أن الذهب مجرد وسيلة، فاستأجر خبراء ومهندسين واستخدم جزءاً من ثروته لحفر البئر بعمق أكبر وبطريقة علمية. وعند عمق ثلاثين متراً، حدث ما لم يتخيله أحد؛ اندفع الماء
بقوة جبارة، نافورة من الحياة تفجرت من أعماق الأرض القاحلة، ماء بارد وصافٍ كأنه وعد إلهي بالخلاص. في تلك اللحظة، فهم ماتيو أن الله خبأ له الذهب ليتمكن من استخراج الماء الذي سيحيي القرية كلها.
لم يبنِ ماتيو قصراً ولم يضع جدراناً حول بئره، بل مد قنوات المياه لكل البيوت والحقول مجاناً، واشترى البذور والماشية لمن خسروا كل شيء في الجفاف، ووسع المدرسة حتى لا يجلس طفل على التراب مرة أخرى. وحين سأله الناس بدهشة لماذا يساعد حتى من سخروا منه، أجاب بوقار: "لأنني ذقت مرارة العطش، ولا أريد لقلب أن يحترق به ما دمت حياً". ومع مرور السنوات، خسر رودريغو كل أملاكه وديونه بسبب كبريائه، وصار عبرة للناس، بينما تحولت أرض ماتيو إلى جنة خضراء تفيض بالخير، وأطلق الناس على بئره اسم "بئر المعجزة"، ليس لقيمة ما خرج منه من ذهب، بل لنبل القلب الذي أخرج منه الحياة للجميع.

تم نسخ الرابط