قصة الصندوق الاسود

لمحة نيوز

قصة صندوق الأسرار (بقلم منى السيد)

​اسمي هناء مرسي، عندي 39 سنة. قضيت منها 11 سنة خلف القضبان بدفع ثمن جريمة ليس لي يد فيها؛ شلت شيلة غيري لأني كنت أظن أن الحب تضحية. عندما فُتح باب السجن، لم أشعر بالحرية، بل بفراغ يبتلعني. كنت أعيش طوال تلك السنين على أمل واحد: "العودة لبيتي".

​الصدمة في النجع

​عدت إلى النجوع التي كبرت فيها، لكن الوجوه كانت غريبة والناس يتهامسون ويخبئون أطفالهم مني. وقفت أمام بيتنا، فوجدت الباب قد تغير والدهان جديداً. دقيت الباب، ففتح لي رجل غريب. أخبرني ببرود: «اشترينا هذا البيت منذ 8 سنوات من السيدة إلهام

مرسي».

​أمي! باعت البيت وأنا لا أزال في السجن دون أن تترك لي ركناً واحداً. سألت عن أخي "جمال"، فقيل لي إن العائلة تركت النجع وأصبحوا أصحاب أملاك وبنوا بيوتاً جديدة خلف الجبل. ليلتها فهمت الحقيقة المرة: لقد مسحوني من حياتهم قصداً.

​سر المغارة

​نمت خلف مصلى صغير، ومع الفجر تبعت كلباً بلدياً اتجه نحو الجبل. تذكرت مغارة قديمة كان يقال إنها مسكونة، لكن بعد السجن لم يعد للخوف معنى. دخلت المغارة للاحتماء من البرد، وأثناء محاولتي تحريك صخرة كبيرة لإشعال نار، سمعت صوتاً مكتوماً تحتها.

​حفرت بيداي حتى لمست صندوقاً خشبياً قديماً عليه

حرفين: (ط. م).. جدي "طه مرسي". وبينما كنت أهم بفتحه، سمعت خطوات تقترب من المغارة؛ خطوات ثابتة لشخص يعرف مكاني تماماً. أدركت حينها أن عائلتي لم تنسني، بل طاردتني ليبقى السر مدفوناً.

​الصندوق الأسود

​لم تكن الخطوات نهاية المطاف، فقد استجمعت قوتي وخرجت من المغارة ومعي الصندوق. اتجهت إلى محطة قطار مهجورة، وهناك فتحته بالكامل. لم أجد ذهباً ولا مالاً، بل وجدت جهاز تسجيل قديم، صوراً، وشريط كاسيت.

​ذهبت إلى محامي عجوز كان يحترم جدي، ووضعنا الشريط في المسجل. خرج صوت أمي "إلهام": «..هي لن تتكلم، هناء طول عمرها بتشيل عن العيلة»، ثم

صوت أخي جمال: «يبقى كده خلصت، الليلة تلبسها هي، ونبيع كل حاجة ومحدش هيعرف أبداً».

​الحقيقة تحررني

​11 سنة ضاعت من عمري وأنا أحمل ذنبهم. في الأيام التالية، انهار كل شيء بناه جمال وأمي على الكذب. بالصور والتسجيلات والتحويلات المالية، ظهرت الحقيقة للعلن. خسر جمال كل ممتلكاته ووجاهته، ولم تجرؤ أمي على النظر في عيني مجدداً.

​لم أعد لأصفي حسابات، فالحقيقة كانت كفيلة بذلك. الآن، أجلس في بلكونة بيت عيلتي القديم الذي استرددته، والكلب البلدي ينام بجانبي في هدوء. لم يعد السجن أو الخيانة هما ما كسراني، بل كان السكوت.. والحقيقة هي التي

حررتني في النهاية.

— تمت —

تم نسخ الرابط