رنة في فراغ
فتحت رسالة باميلا وإيدي لسه بتترعش، كانت كاتبة لي: "لو رحتي النهاردة، هتفضلي طول عمرك تدفعي تمن تبرعاتك من روحك مش بس من جسمك.. تعالي يا ميسي". بصيت لبيت أهلي، النور اللي طالع من الشباك كان شكله يغيظ، هدوء مريب لبيت عايش على دمي حرفياً. دورت العربية ومشيت، مابصيتش ورايا ولا مرة، والمكالمات من بابا وماما فضلت تيجي ورا بعضها لحد ما قفلت الموبايل خالص ورميته في الكرسي اللي جنبي.
لما وصلت بيت باميلا، فتحت لي الباب وهي لسه بهدوم الشغل، كأنها كانت عارفة إن الليلة دي هي ليلة الانهيار الكبير. أول ما شفتها ارتميت في حضنها وانفجرت في عياط مكتوم بقاله سنين، عياط البنت اللي حست إنها مجرد "قطع غيار" مش بني آدمة. باميلا قعدتني، عملت لي شاي، وقالت لي الجملة اللي غيرت كل حاجة: "إنتي عارفة إنهم اتصلوا بالمستشفى الصبح يسألوا لو فيه إمكانية تتبرعي بفص كبد تاني لزادا لو حصل لها مضاعفات في الغربة؟
الدنيا دارت بيا. زادا مش محتاجة كبد، زادا كويسة! باميلا كملت وهي بتبص في عيني بأسف: "أختك عندها مشكلة بسيطة في الإنزيمات بسبب السهر والشرب، وهما بيجهزوا الأرضية من دلوقتي عشان لو احتاجوا 'المخزن' بتاعهم يكون جاهز". الكلمة نزلت عليا زي السكينة.. "المخزن". أنا كنت بالنسبة لهم مجرد مخزن أعضاء متحرك عشان بنتهم "الكاملة" تعيش حياتها بالطول والعرض.
قضيت الليلة عند باميلا، وتاني يوم الصبح، قررت أواجههم لآخر مرة، بس المرة دي بشروطي أنا. رحت البيت، لقيتهم قاعدين بيفطروا كأن مفيش عاصفة حصلت بالليل. أول ما دخلت، بابا قام وقف وقال بلهجة آمرة: "اعتذري لأختك يا ميسي، إنتي بوظتي فرحتها بالجامعة وكدرتينا كلنا".
بصيت له وضحكت ضحكة وجعت قلبي أنا شخصياً. قلت له: "أعتذر؟ أعتذر على إيه؟ على الكلية اللي في جسمها؟ ولا على النخاع اللي خلاها تمشي على رجليها؟ ولا على الـ ٦٠٪ من كبدي اللي بيحرقوا السموم
رديت عليها وأنا بطلع ورق من شنطتي، ورق كنت مجهزاه مع محامي صديق لباميلا: "الواجب خلص يا ماما. من النهاردة، ميسي ماتت بالنسبة لكم. دي ورقة قانونية بتمنعكم من التواصل معايا، ودي ورقة تانية بسحب فيها أي توكيل طبي كنت مديآه لبابا. ولو حد فيكم قرب مني، هرفع قضية استغلال قاصر، لأن أغلب العمليات دي تمت وأنا تحت السن وبضغط نفسي".
زادا قامت وقفت وبصت لي بقررف وقالت: "إنتي فاكرة نفسك إيه؟ من غيرنا مش هتعرفي تجيبي تمن الأدوية بتاعتك، إنتي عالة". هنا بقى طلعت الضربة القاضية. قلت لها بابتسامة باردة: "الأدوية؟ المستشفى عرضت عليا وظيفة إدارية وتأمين طبي كامل كحالة استثنائية وبمساعدة باميلا. أنا مش محتاجة منكم مليم. أنا بس جاية آخد هدومي، وآخد حقي في إني أقول لكم.. إني مش مسامحة".
لميت حاجتي
طلعت وركبت عربيتي، وفي اللحظة دي، جالي إشعار على الموبايل. باميلا كانت باعتة لي صورة للجرس بتاع المستشفى، وتحتها مكتوب: "رنتك كانت واطية يا ميسي، بس الدنيا كلها سمعتها. النهاردة بس بدأت حياتك".
سكنت في شقة صغيرة قريبة من المستشفى، بدأت أشتغل وأدرس تمريض، عشان أكون جنب الناس اللي زيي، الناس اللي بيتحرقوا عشان غيرهم يتدفى. أهلي حاولوا يبعتوا رسايل استعطاف لما زادا تعبت فعلاً بعد سنة، بس المرة دي، مكنش فيه رد. مش قسوة، بس لأن "المخزن" قفل أبوابه للأبد، ولأول مرة من سنين، بدأت أحس إن جسمي بتاعي أنا لوحدي، وإن الجرس اللي رن مرة واحدة، كان بيعلن ولادة ست جديدة، مش مجرد نهاية مرض.