لحم ودم .... ولكن!
الست اللي أنقذتها كان اسمها "دكتورة مريم"، كانت ست وحيدة عايشة في المزرعة دي بعد ما جوزها اتوفى، وسخرت حياتها لتربية الخيول والزراعة. مريم ماكتفتش بإنها تأكلها وتلبسها، دي احتوتها كأنها بنتها اللي ماخلفتهاش. لما عرفت الحكاية، وعرفت إن خالها ريكاردو ومارتا زوروا أوراق عشان يثبتوا إن البنت تاهت أو غرقت عشان يلهفوا ورث أبوها وأمها (اللي كان عبارة عن بوليصة تأمين بمبلغ ضخم وشقة في وسط البلد)، مريم قررت إنها مش بس هتربي إيما، دي هتبني منها "وحش" ناعم يقدر ياخد حقه في يوم من الأيام.
إيما كبرت في المزرعة، بس مابقيتش البنت الضعيفة اللي بتعيط. مريم علمتها إن الذكاء هو أقوى سلاح. دخلتها أحسن مدارس بأسماء مستعارة في الأول عشان تهرب من ملاحقة أهلها لو فكروا يدوروا عليها، وإيما كانت بتذاكر ليل نهار كأنها بتنتقم من كل لحظة برد عاشتها على الطريق الترابي ده. السنين مرت، وإيما دخلت كلية الحقوق، وتخصصت في قضايا النصب والارث، وبقت واحدة من أشطر المحاميات اللي بيعملوا ألف حساب لاسمهم.
في الناحية التانية، ريكاردو ومارتا
طبعاً هما ماكنوش عارفين إن دي إيما بنت أختهم. هما كانوا فاكرين إن البنت ماتت من زمان من الجوع أو النهش في الغابة. راحوا مكتبها وهما بيترعشوا، دافعين آخر مليم معاهم بس عشان تقابلهم. دخلوا المكتب الفخم، الحيطان كانت كلها شهادات وجوائز. قعدوا يستنوا وهما بيمسحوا عرقهم من التوتر.
الباب اتفتح، ودخلت ست في منتهى الشياكة والقوة. ملامحها كانت حادة بس جميلة، وعينيها فيها نظرة تخلي الواحد يحس إنه عريان قدامها. أول ما شافوها، مارتا حست بنغزة في قلبها، الملامح دي مش غريبة عليها، بس استبعدت الفكرة تماماً.
ريكاردو
إيما قعدت ورا مكتبها ببرود تام، وشبكت صوابعها وبصت لهم وقالت بابتسامة مرعبة: "إنتوا بتتكلموا عن الظلم؟ غريبة.. أصل أنا عندي ذاكرة قوية جداً بخصوص الظلم."
مارتا سألتها بخوف: "حضرتك تقصدي إيه؟"
إيما قامت من مكانها، وراحت ناحية الشباك وبصت بره، وقالت بصوت هادي وواضح: "فاكرين ليلة 14 نوفمبر من 15 سنة؟ ليلة المطرة والبرد؟ فاكرين الطريق الترابي المقطوع اللي ملوش نهاية؟"
ريكاردو لونه خطف وبقى زي الورقة البيضا، ومارتا قامت وقفت وهي بتنهج: "إنتي.. إنتي مين؟"
إيما لفت ليهم، وبكل هدوء قلعت "الجاكيت" بتاعها، وشمرت كم قميصها، ووريتهم ندبة قديمة في دراعها من وقعتها في الغابة ليلتها، وقالتلهم: "أنا الطفلة اللي رميتوها حافية في نص الطريق عشان شوية فلوس. أنا 'النكرة' اللي مكنش ليها قيمة عندكم. دلوقتي إنتوا جايين تطلبوا مني أحميكم من السجن؟"
مارتا بدأت تعيط وتتمسح فيها:
إيما ضحكت ضحكة عالية وباردة هزت المكتب: "أهلي؟ أهلي هما اللي علموني إن اللي بيرمي لحمه للكلاب مايستناش منه يحن عليه لما يكبر ويبقى أسد. إنتوا مش بس هتخسروا القضية، إنتوا هترجعوا كل قرش خدتوه من ورث أبويا، بالفوائد، وبالقانون. والشركة اللي إنتوا جايين تطلبوا حمايتها؟ أنا اشتريت كل ديونها الصبح. يعني من اللحظة دي، إنتوا م تمللكوش حتى الهدوم اللي لابسينها."
ريكاردو انهار على ركبه: "أبوس إيدك يا بنتي، بلاش السجن.. إحنا كبرنا."
إيما وطت عليه وهمست في ودنه بنفس الجملة اللي قالها لها وهي طفلة قبل ما يقفل باب العربية ويمشي: "انتظر هنا.. دقائق وسنعود."
خرجت إيما من المكتب وسابتهم للحرس وللشرطة اللي كانت مستنية بره بطلبات ضبط وإحضار في قضايا قديمة هي اللي نبشت فيها وطلعتها. ركبت عربيتها وراحت المزرعة، قعدت مع دكتورة مريم قدام النار، وشربت شاي بالقرفة، وحست لأول مرة إن "الخرم" اللي كان في صدرها اتقفل. العدل مش دايما بييجي بسرعة، بس لما بييجي،