مفتاح الخزانة انجي الخطيب

لمحة نيوز

مفتاح الخزانة
بقلم إنجي الخطيب
بعد ثلاثة أشهر من السفر والشغل بالخارج، عدت لبيتي فوجدت زوجتي قد فقدت أكثر من عشرة كيلوجرامات من وزنها.. لكن ما جمد الدم في عروقي حقاً هو ما عرفت أنه أصبح يعيش داخل بيتي.
اسمي إياد فوزي. منذ ثلاثة أشهر، تركت القاهرة وسافرت إلى أسوان من أجل مشروع تأمين وحراسة كبير هناك. الصباح الذي سافرت فيه، كانت زوجتي نور كوردة هادئة، ملامحها مرتاحة، والضحكة التي على وجهها كانت دائماً تشعرني أن البيت سيظل أماني مهما ضاقت الدنيا.
العودة الصادمة
عندما عدت.. والله لم أعرفها. كانت تنتظرني في المطار، وللحظة ظننتها شخصاً آخر. تيشيرت قديم وباهت، عظام رقبتها بارزة، وجه شاحب، وعيناها يملؤهما سهر وتعب أسابيع. ابتسمت لي بوجع وقالت حمد لله على سلامتك يا إياد. صوتها كان واهناً ومخنوقاً. سألتها بوجع نور.. ماذا حدث لكِ؟، فنظرت للأرض وقالت لا شيء.. مجرد إجهاد من قلة النوم.
كنت أعلم أنها تكذب، لكنني لم أتخيل حجم الكذبة. الحقيقة صدمتني بمجرد دخولنا فيلتنا في التجمع.. دمي تجمد؛ هناك غرباء يعيشون في بيتي! ثلاثة أطفال يركضون في الصالة، رجل غريب ممدد على الأريكة ويضع قدمه بحذائه على طاولة الصالون، وامرأة تضع مكياجاً ثقيلاً

وتنظر لأركان البيت بنظرات فاحصة كأنها تُسعر الأثاث.
نور لم تستطع النظر في عيني، هرعت إلى المطبخ. تبعتها لأسمع صوت خبط الحلل وزعيق أمي يا نور! أين صوص الصويا؟ كم مرة سأقول لكِ الأشياء تبقى في مكانها؟. أمي التي لم تكن تنطق اسم زوجتي أبداً، أصبحت تناديها لتعطيها الأوامر فقط!
سألت والدي بذهول من هؤلاء يا بابا؟، فرد ببرود أقاربنا.. جاءوا من البلد لعدة أيام. نحن ليس لدينا أقارب بهذا الشكل، ولم يسبق ذكرهم أبداً. على العشاء، جلس تسعة أشخاص على السفرة، وزوجتي؟ كانت تجلس على كرسي صغير في ركن المطبخ كخادمة، تأكل القليل من الأرز والخضار فقط.
كشف المستور خلف الشاشات
تلك الليلة لم أنم. تسللت لمكتبي وفتحت نظام المراقبة الذي صممته بنفسي. بدأت بمراجعة تسجيلات الثلاثة أشهر الماضية
اليوم الثالث وصول الأقارب. الرجل يتفحص البيت ويقف أمام الخزنة، والمرأة تقول له هذا البيت يساوي ملايين.
خلال الأيام تحولت حياة نور لسجن؛ طبخ وتنظيف وغسيل يدوي وأوامر مهينة من أمي والمرأة الغريبة.
يوم 25 اتصلت بها، ظهر اسمي حبيبي إياد على شاشتها، لكن أمي سحبت منها الهاتف وأغلقته قائلة لا تردي.. هو مشغول، ثم قامت بتحويل المكالمات لهاتفها الخاص!
أمس الساعة 1152
ليلاً نور تمسح الصالة، الرجل القريب يدخل وبيده نسخة من مفتاح خزانتي! ابتسم لها بخبث وقال اصبري قليلاً.. الوقت اقترب.
قمت من مكاني والكرسي وقع خلفي.. تلك الخزنة لها نسختان فقط؛ واحدة معي، والأخرى أمانة مع أمي!
المواجهة والخطة
تأكدت أنها مؤامرة لسرقة عقود الفيلا، وأوراق شركة الأنظمة الأمنية، وتوكيلات البنوك. أمي كانت تكره أن جدتي كتبت البيت باسمي أنا فقط.
دخلت عليّ نور المكتب، كانت منطفئة ومستنزفة. سألتها بمرارة هل مد أحد يده عليكِ؟، فنكست رأسها وصمتت. كان صمتاً كافياً ليحكي كل شيء. ارتمت في حضني تبكي بصوت مكتوم وتعتذر لأنها لم تستطع إيقافهم. أخبرتني أنهم يريدون ما في الخزنة، وأن أمي والمدعو كريم خططوا لكل شيء، بل وأوهموا الجميع أن نور مجنونة وأعصابها تعبانة لتبرير حالتها.
نصب المصيدة
تواصلت مع محاميّ حازم وصديقي طارق في الأموال العامة. التحريات كشفت أن كريم نصاب عقارات، وسلوى سوابق تزوير، والأطفال ليسوا أقاربنا أصلاً.
قمت بتأمين نور في فندق، ثم قمت بتلغيم البيت بكاميرات خفية دقيقة. استبدلت الأوراق الأصلية في الخزنة بنسخ مزورة وفلوس وهمية، وأوهمت الجميع أنني سأضطر للسفر لأسوان فجراً.
ساعة الصفر
الساعة 1152 ليلاً، دخل كريم
وسلوى ووالدي وأمي إلى المكتب. أمي فتحت الخزنة بمفتاحها والكل ينظر للطمع بعيون لامعة. كريم قال بمجرد استلام الأصول سنتحرك.. القرض سيُسحب والمال سيدخل الحساب.
في تلك اللحظة، أشعلت الأنوار ودخلت عليهم ومعي الشرطة.
حاولت أمي التبرير، لكن النقيبة مروة واجهتها بالبث المباشر والتسجيلات. أمي، بكل تبجح، قالت هذا البيت كان يجب أن يكون لي!. لم يكن هناك ندم، فقط استحقاق أعمى ومقرف.
تم القبض على التشكيل العصابي كريم وسلوى بتهمة التزوير والسرقة، وأمي
ووالدي للمشاركة والتسهيل.
التعافي والحقيقة الأخيرة
عادت نور للبيت، بدأت تستعيد صحتها ووزنها وضحكتها. الفيلا في التجمع عادت بيتاً حقيقياً، تملؤه رائحة الصابون والنعناع بدلاً من الخوف.
في إحدى الليالي، وقفت نور أمام الخزنة وقالت لي بابتسامة صغيرة الورق الأصلي؟ أنا نقلته منذ زمن.
نظرت لها بصدمة، فتابعت عندما سمعت أمك وكريم يخططون، لم أكن أعرف كيف أصل إليك، لكنني وضعت الأوراق الحقيقية في كراتين زينة رمضان في المخزن.. تحت فرع النور المقطوع، لأنني أعرف أن أمك تكره الغبار ولن تبحث هناك أبداً.
ضحكت من قلبي.. زوجتي التي ظن الجميع أنها ضعيفة ومسحوقة، كانت أذكى من عصابة بأكملها، وحمت شقاء عمري في
أكثر مكان لا يتوقعه الطمع.
انتهت.

تم نسخ الرابط