خارج الحسابات صافي هاني

لمحة نيوز

خارج الحسابات.. رحلة الهروب من سجن العيلة بقلم: صافي هاني

“إنت عليك مية وخمسين ألف جنيه.”
قالها أخويا "رامي" وهو قاعد قدامي على ترابيزة المطبخ بكل برود، كان بيقلب كوباية الشاي بتاعته وكأنه بيطلب طلب عادي جداً.. لا سلام، لا سؤال عن أحوالي، ولا حتى مقدمات تمهد للصدمة. مجرد رقم ضخم رمى تقله كله على صدري وكتمني.

بصيت له بذهول، كأني مستنيه يضحك ويقول إنه بيهزر، لكن ملامحه كانت جامدة. كمل كلامه وكأنه بيمنّ عليا: “يا سليم، إنت لسه سينجل، ومعندكش عيال ولا مسؤوليات.. والقرشين اللي معاك دول العيلة أولى بيهم، إحنا لبعض يا حبيبي.”

أنا سليم، مهندس برمجيات "سينيور"، عندي اتنين وتلاتين سنة. السنين اللي فاتت كانت عبارة عن طحن وشغل في الإجازات وسهر لحد الفجر عشان أوصل للحظة اللي أنا فيها دي؛ أسبوعين وأسافر برلين، الوظيفة الحلم اللي حفرت في الصخر عشان تجيلي. رامي كان شايف إن كل ده "رفاهية"، وإن شقايا وتجاعيد وشي من السهر هي مجرد "إستبن" يحل بيه أزماته هو وميادة مراته.

بصيت في عينه وقولت بوضوح: “لأ يا رامي.”
في ثانية، الهدوء اللي كان فيه اتمحى. وشه اتقلب وبدأ يرص لي "قائمة أحلامه" اللي عاوزني أدفع تمنها؛ شقة أربع أوض في منطقة راقية، مدارس لعياله، وأوضة خاصة لبابا وماما لما يزوروه.. كان

بيلعب على وتيرة "الذنب"، بيحسسني إني لو مدفعتش هبقى بحرم أهلي من الراحة.

والضربة القاضية كانت لما قال: “بابا عارف كل حاجة، وقال إنك إنت اللي بتفهم وهتعدي الليلة دي كمان.”
الكلمة دي "بتعدي الليلة" كانت خنجر في قلبي. سنين وأنا اللي بصلح غلطات رامي، هو يغلط وأنا أداري، هو يطمح وأنا أدفع، هو يتشال على الراس عشان "مغامر"، وأنا آخد كلمة "شكراً" باردة عشان "مطيع ومسالم".

اللاب توب كان مفتوح قدامي، وعليه عرض شغل برلين؛ المرتب، الأسهم، التأمين. رامي لمح الشاشة وابتسم ببرود مستفز: “مقدور عليها يا بطل، ما إنت هتقبض باليورو.. دي هي دي العيشة الحقيقية، والقرشين اللي هنا مالهمش لازمة عندك.”
لحظتها حسيت ببرود مرعب في جسمي. برلين هي العيشة اللي اخترتها بتعبي، والتحويشة اللي هو باصص لها كأنها ورث أبوه هي عمري اللي فات.

لما لقاني ساكت، مال عليا وقال بنبرة واثقة: “لو مش عاوز تدفع كاش، نمضي ‘ضامن’ في البنك، بابا قال إن ملفك نضيف وزي الفل ومحدش هيرفض لك طلب.”
مفكرش لحظة إني ممكن أتعثر، أو إن مستقبلي يتدمر لو هو مسددش.. كان عاوز يربط رقبتي في ساقه عشان يضمن إنه يفضل يسحب مني للأبد.

خرج وهو بيغلي بعد ما صممت على رفضي. وبعد عشر دقائق، الموبايل رن.. "بابا".
مفيش أهلاً ولا إزيك، دخل في الموضوع

بضغط نفسي متغلف بكلمة "العقل": “أخوك بيقول إنك بعته يا سليم؟ يا ابني دول بيبنوا عيلة، وإنت شغلك كله كمبيوترات وتقدر تعمله من أي حتة، مش محتاج الفلوس دي دلوقت.”
كنت واقف عند الحوض، باصص لكوباية القهوة، لمحت فيها شرخ صغير باين في النور.. الشرخ ده كان بيمثل علاقتي بيهم. بابا كمل جملته اللي أنهت كل حاجة: “أمك موافقة على كلامنا.. إحنا كلنا يد واحدة.”

كلمة "إحنا" دي كانت إعلان الحرب. لو أنا سليم القديم كنت دافعت وشرحت، لكن المرة دي فتحت موقع الطيران وغيرت ميعاد سفري لست أيام بس. "وان واي".. ذهاب بلا عودة.
أبويا حس بتغير نبرتي، فصوته بقى حاد: “لو مش هتقف مع عيلتك، متستناش إننا نقف معاك بعدين. يا تمضي ضامن، يا متفكرش تعتب البيت تاني.”

قفل السكة، وبعت رسالة بتأكد القرار اللي اتخد في غيابي. رديت بكلمتين: “مش هكون ضامن لحد، ولو ده معناه إني مش مرغوب فيا، فتمام، أنا فاهم.”
فتحت تطبيق البنك بصدفة بحتة، واكتشفت الصدمة الكبيرة.. فيزا كنت ناسيها من سنين، ضفت فيها رامي "مستخدم إضافي" عشان أساعده في بداياته.. لقيت مسحوبات بمبالغ خرافية في الأسبوعين اللي فاتوا؛ مطاعم، أجهزة، وعربون لبيته الجديد!

كانوا بيسرقوني وهما بيطلبوا إدني! رامي بعت رسالة: “ماتعملش دراما، كنا محتاجين سيولة بس عشان

نخلص الإجراءات.”
اتصلت بالبنك فوراً، قلبي كان بيدق في ودني. الموظفة بلغتني إن فيه "عملية سحب معلقة" بمبلغ ضخم جداً دلوقت. قولت لها بصوت مرتعش: “وقفي كل حاجة فوراً، والغي الكارت وأي مستخدم إضافي.”

بعت رسالة أخيرة لجروب العيلة: “الحسابات اتقفلت، والتوكيلات اتلغت. أنا مش بنك، ولا إستبن. لو دي آخرة الوقوف جنبكم، يبقى الفلوس فعلاً أحسن من العيلة دي.”
عملت بلوك للكل. قفلت النور، وخرجت من الشقة ومعايا شنطة هدومي وجواز سفري.. برلين كانت بعيدة، بس كانت أحن عليا من المطبخ اللي كنت واقف فيه.

مرت تلات سنين في برلين وسنغافورة، بقيت إنسان تاني، ناجح وحر. رامي حاول يوصلي بمية طريقة لما البيت اتعرض للبيع عشان ديونه، وماما بعتت رسايل بتلعب على وتر الحنين.. بس "سليم" اللي كان بيصدق مات في مطار القاهرة.
رديت على رامي في مكالمة أخيرة وهو بيعيط وخايف من الحبس: “عارف يا رامي، أصعب حاجة مش إن البيت يتباع.. أصعب حاجة إنك تكتشف إن أهلك كانوا شايفينك 'رصيد بنكي' مش بني آدم. إنتوا بعتوني من زمان، وأنا مش هشتري بيت إنتوا بعتوا صاحبه عشان تمنه.”

قفلت السكة، وقفت في البلكونة في برلين، الهوا كان بارد بس كنت حاسس بدفا عجيب.. دفا الحرية. البيت اللي اتهد في مصر مكنش بيتي، كان السجن اللي كنت محبوس فيه.

. وأنا دلوقتي، ولأول مرة، كنت "طير حر".

تم نسخ الرابط