الجار قبل الدار منال علي
الجار قبل الدار
زي أي اتنين عرسان لسه ناقلين شقة جديدة في عمارة متوسطة في حي شعبي هادي شوية. الشقة كانت لقطة، شمسها حلوة، ومكانها قريب من شغلنا. أحمد جوزي كان طاير بيها، وأنا كنت حاسة إن دي المملكة اللي هأبني فيها خصوصيتي.
يوم ما نقلنا، ظهرت أم سيد. ست في الستين، جسمها مالي الجلابية المشجرة اللي لابساها، وضحكتها مالية الوش، بس عينيها كانت بتلف في الشقة وتفحص كل ركن وكأنها بتعمل جرد: "يا ألف نهار مبروك يا ضنايا.. نورتوا العمارة. أنا هنا زي والدتك، وأي حاجة تعوزيها، بصلة، ملح، قرص طعمية.. أنا موجودة."
في الأول، كنت فاكرة إنها دي جدعنة ولاد البلد. بس الغلطة الكبيرة حصلت بعد أسبوعين بس. يومها كان فيه سباك شغال في المنور، وأنا كنت لازم أنزل الشغل ضروري. أم سيد وقفتلي على السلم وقالت: "يا بنتي سيبيلي نسخة المفتاح احتياطي، افرضي ماسورة ضربت ولا السباك عايز يدخل يشوف حاجة.. الشقة أمانة في رقبتي."
سلمت المفتاح وأنا مطمنة.. ومن يومها، مبقاش فيه أمانة ولا خصوصية. الموضوع بدأ بحاجات عبيطة؛ أرجع من الشغل ألاقي برطمان السكر مكانه اتغير، أفتح التلاجة ألاقي علبة السمنة ناقصة معلقة كبيرة. لحد ما في يوم، كنت
نزلت لأم سيد أسألها بذوق، لقيتها بتقولي وهي بتمسح بؤها بطرف طرحتها: "آه يا حبيبتي، ده سيد إبني جه من الشغل ميت من الجوع ومكنش عندي لقمة، قولت أعمله سندوتشين من السجق اللي عندك، ما إنتي زي بنتي يا نورا.. بكرة أبقى أجيبلك بداله." وطبعًا بكرة ده مبيجيش أبدًا.
أحمد بدأ يتضايق؛ بقينا نرجع نلاقي الشقة ريحتها بصل وتقلية وكأن حد كان بيطبخ فيها وإحنا مش موجودين! ولما نواجهها، تطلع مية عفريت وتعيش دور الضحية. لحد ما جه اليوم اللي الدم وصل فيه للركب. يوم الخميس، كان عندي عزومة لأهلي، جبت بطة مربربة وجمبري جامبو. ريحة البطة المشوية بالعسل والتوابل كانت مالية المنور. حطيتها في الصاج وغطيتها بالفويل، ونزلت عشر دقايق أجيب فاكهة.
طلعت نهجانة، فتحت باب الشقة.. الصاج محطوط في الحوض، فاضي ومغسول نص غسلة كمان! وجنبه ورقة صغيرة: "يا نورا يا بنتي، أخو سيد جه من البلد فجأة ومفيش لقمة في البيت تقيم صلبهم. أخدت البطة والجمبري، وأكيد أهلك هيجيبولكم معاهم خير وهما جايين."
وقفت مكاني متخشبة. حسيت بنار بتغلي في عروقي. أحمد دخل شاف المنظر وكان هينزل
يوم السبت الصبح، نزلت أنا وأحمد واحنا شايلين أكياس براندات غالية، وبنتكلم بصوت عالي: "يا أحمد، اللحمة دي غالية جدًا، دي تربية مزارع مخصوصة، والحلويات دي كب كيك بالكريمة الفرنساوي، لازم نحافظ عليهم في التلاجة."
دخلت المطبخ وبدأت الخطة. جبت "شطة سودانية" من النوع اللي بيخلي الواحد يشوف نجوم الضهر، وحقنتها جوه نسيج اللحمة بالسرنجة في كل حتة. أما الكب كيك، فحقنت الكريمة من جوه بملين قوي جدًا مفعوله بيبدأ بعد نص ساعة. رصيت الأكل في التلاجة بشكل يفتح النفس، وخرجنا وقفلنا الباب بالمفتاحين، ووقفنا في مدخل العمارة اللي جنبنا نراقب من الموبايل الكاميرا المخفية اللي أحمد ركبها في المطبخ.
بعد نص ساعة بالظبط، العرض بدأ. شوفنا أم سيد وهي بتفتح الباب وتتسحب زي الحرامية، عينيها لمعت لما شافت اللحمة والحلويات. فتحت طبق اللحمة، وقطعت حتة "هبرة" وحطتها في بؤها مرة واحدة. ثانيتين.. ووشها بدأ يتحول لألوان الطيف، وعينيها بدأت تدمع بغزارة. جريت على الحنفية تشرب مية، والمية مع الشطة
عشان تهدي النار، مسكت الكب كيك واكلت واحدة وتانية وتالتة.. كانت فاكرة إن الكريمة الساقعة هتطفي الحريقة. لفت الباقي في شنطة وجريت على شقتها. استنينا ساعة ورجعنا العمارة، وبدأت أسمع أصوات "سيمفونية" طالعة من شقة أم سيد؛ صوت السيفون مبيسكتش، وصراخ سيد جوزها: "يا ولية افتحي! بقالك ساعة جوه! بطنك هتنفجر من اللحمة اللي طفحتيها دي!"
خبطت على الباب بكل براءة: "طنط أم سيد؟ إنتي كويسة؟" جاني صوتها مهدود ومبحوح: "آآآه.. يا نورا.. بموت يا بنتي.. جالي تسمم." قلت بصوت عالي عشان الكل يسمع: "يا خبر! أصل اللحمة دي كانت عينة تجارب من المعمل مرشوشة بمواد كيميائية، والكب كيك ده كان فيه منشطات قوية للأمعاء! اللي أكلهم لازم يروح يعمل غسيل معدة حالا!"
سكتت خالص ومسمعناش غير صوت السيفون للمرة العشرين. تاني يوم الصبح لقيت "ميدالية مفاتيح" محطوطة قدام باب شقتي على المشاية. شوفت أم سيد قاعدة قدام العمارة، وشها خاسس النص، وأول ما شافتني قامت بسرعة ودخلت جوه. دلوقتي تلاجتي بقت ملكي، والخصوصية رجعت، والحدود اترسمت بالشطة والملين.
أحياناً، الطيبة مبيجيش معاها غير العين الحمراء.. أو في حالة