ثمن البطولة
سالم نزل على ركبته وسط التراب اللي مالي الأوضة، الجواب في إيده كأنه جمرة نار. الصدمة كانت لجمت لسانه، بس عقله كان شغال زي الطلقة. "الخرابة اللي ورا السوق القديم".. الجملة دي كانت كفيلة تخلي قلبه يقع في رجله. المكان ده في القرية معروف إنه وكر لكل حاجة وحشة، ومحدش بيقرب منه من سنين.
قام وقف، عينيه كانت حمرا زي الدم، وخرج يجري من البيت. الشوارع كانت ضلمة وكأن القرية كلها ماتت مع موت أبوه واختفاء بنته. وهو بيجري، لمح "تامر" ابن عمه واقف بعيد، ساند على موتوسيكل وبيدخن ببرود مريب.
سالم وقف قدامه ونفسه مقطوع:
— "فين سلمى يا تامر؟ الورقة دي معناها إيه؟"
تامر رمى السيجارة وداس عليها ببطء، وبص لسالم بابتسامة صفرا تقطع القلب:
— "حمد الله على السلامة يا بطل.. الجبهة كانت أولى بيك. سلمى؟ سلمى راحت للي يقدر يصرف عليها ويحميها بعد ما جدها مات وأنت كنت بتلعب
سالم مسكه من رقمه وهبده في الموتوسيكل:
— "انطق.. سلمى فين؟"
تامر ضحك بوجع وقال:
— "السوق القديم يا سالم.. بس نصيحة، بلاش تروح. اللي هناك مش هيسمعوا كلامك، ولا يفرق معاهم لبسك الميري ده. سلمى متباعة يا ابن عمي.. متباعة عشان نخلص ديون جدك اللي مات وهو مش لاقي ياكل."
سالم محستش بنفسه غير وهو بيسيبه ويجري ناحية السوق. الخرابة كانت عبارة عن مخازن قديمة مهجورة. لما وصل، سمع صوت عياط مكتوم طالع من جوه "ثلاجة" خضار قديمة ومعفنة.
كسر القفل بحديدة كانت مرمية في الأرض، ودخل. النور كان ضعيف، بس اللي شافه خلاه يتمنى لو كان مات في الحرب ولا شاف المنظر ده.
سلمى كانت مربوطة من إيديها في جنزير نازل من السقف، وبقها متكمم بقطعة قماش. وقدامها كان قاعد "المعلم صقر"، أكبر تاجر في المنطقة، ومعاه اتنين مسلحين.
المعلم صقر قام وقف ببرود:
— "نورت
سالم بص لبنته اللي كانت بتبص له بعينين مليانة رعب واستنجاد، وحس إن روحه بتتسحب منه. في لحظة، افتكر كل تدريباته، كل لحظة خوف عاشها في سينا. الحرب مكنتش هناك.. الحرب كانت هنا.
— "البيت والأرض فدا ظافرها،" سالم قالها بصوت هادي ومرعب.
وهو بيمد إيده يطلّع القلم عشان يمضي، فجأة الحركة قلبت لمجزرة. سالم استخدم مهاراته في القتال القريب، وفي ثواني كان المسدس في إيده. بس الصدمة مكنتش في ضرب النار.. الصدمة كانت لما الباب اتفتح ودخلت "نهى"، مرات أخوه اللي توفى من سنين، وهي ماسكة شنطة فلوس.
نهى بصت لسالم بكرة وقالت:
— "كنت فاكر إنك لما ترجع هتاخد كل حاجة؟ الأرض دي حقي وحق ولادي اللي مات أبوهم وأنت بتدور على
سالم وقف مذهول.. الخيانة مكنتش من الغريب، الخيانة كانت من دمه.
في اللحظة دي، سمع صوت سرينة بوليس بتقرب. تامر كان بلغ عشان يخلص من الكل ويقش هو التربيزة.
سالم فك بنته وهي بتترعش وبتقول بصوت واطي:
— "بابا.. هما قالوا لي إنك مُت.. قالوا لي إنك مش هتيجي تاني."
سالم بص لنهى وللمعلم صقر اللي كانوا بيحاولوا يهربوا، وقال لبنته:
— "أنا رجعت يا سلمى.. والحرب اللي فاتت كانت لعب عيال.. الحرب الحقيقية لسه هتبدأ مع اللي خانوا الأمانة."
سالم خرج من الخرابة وشايل بنته على كتفه، والبيت اللي كان فاضي، مكنش لسه رجع له الروح.. بس سالم قرر إن الأرض دي هترتوي بدم اللي فكر يلمس شعرة من بنته، قبل ما يزرع فيها ورد جديد.
**الدرس كان قاسي.. العدو اللي بيلبس زيك وبياكل معاك في طبق واحد، أخطر بكتير من العدو اللي واقف