عريس هارب ولكن!

لمحة نيوز

صمتت ياسمين تمامًا، وكأن لسانها قد شُلّ، بينما كانت عيناها تتسعان بذهول وهي ترى الرجل الذي كانت تظنه خائنًا يصارع الموت أمام الملايين. بدأت الممرضة التي تحمل الهاتف تتحدث بصوت مختنق بالدموع، وقالت: «يا آنسة ياسمين، ديف كان في طريقه إليكِ حين رأى حافلة مدرسية تنحرف عن الطريق وتشتعل فيها النيران.. لم يتردد لحظة، ألقى بنفسه وسط اللهب ليخرج الأطفال واحدًا تلو الآخر، وحين أخرج الطفل الأخير، انفجر خزان الوقود.»
تعالت الصرخات في الحديقة، وانقلب مشهد الفرح إلى مأتم مهيب. سقطت صديقات ياسمين من حولها وهن ينتحبن، بينما وقف الضيوف الذين كانوا يهمون بالمغادرة متسمرين في أماكنهم، تنهمر دموعهم وهم يشاهدون بطلًا حقيقيًا بملابس زفافه الممزقة. أخذ ديف يسعل دمًا على الشاشة، وحاول مد يده

وكأنه يلمس وجه ياسمين من خلف الزجاج، وقال بنبرة متقطعة: «الخاتم.. ياسمين.. الخاتم في جيب سترة الزفاف.. لم أضيعه.. أردت أن أضعه في إصبعك وأنا.. وأنا فخور بكِ.»
فجأة، بدأت الأجهزة في خلفية المشهد تصدر صوتًا مستمرًا ومنتظمًا، وانقلبت ملامح الممرضة إلى ذعر وهي تنادي الأطباء. انقطعت الصورة فجأة، وعادت الشاشة إلى التشويش المرعب. صرخت ياسمين صرخة هزت أرجاء المكان، وركضت بفستانها الأبيض الطويل الذي تلطخ بالطين والعشب نحو سيارتها، تبعها والدها وإخوتها في حالة من الهستيريا.
وصلت إلى المستشفى والناس يتجمهرون في الخارج، فقد انتشر الخبر كالنار في الهشيم عبر منصات التواصل الاجتماعي. شقّت طريقها بين الممرات وهي تصرخ باسمه، حتى وصلت إلى باب غرفة العمليات. خرج الطبيب بوجه شاحب، ينظر إلى
الأرض، وحين رأى ياسمين بفستان زفافها، تنهد بعمق وقال: «لقد فعلنا كل ما بوسعنا.. جسده محروق بنسبة كبيرة، وقلبه توقف مرتين.. إنه يطلب رؤيتك للمرة الأخيرة.»
دخلت ياسمين الغرفة، وكان المكان يفوح برائحة الحريق والمنظفات الطبية. اقتربت من السرير، وكان ديف شبه غائب عن الوعي، لكنه حين شعر بلمسة يدها الباردة، فتح عينيه بصعوبة بالغة. همس لها: «ياسمين.. لا تبكي.. اذهبي إلى الحفل.. أخبري الجميع أن الحب لا يموت بالنار.» حاولت أن تجيبه، لكن صوته انقطع تمامًا، وارتخت يده في يدها.
في تلك اللحظة، حدث ما لم يتوقعه أحد؛ دخل رجل عجوز يجر كرسيًا متحركًا، كان هو صاحب الحافلة التي أنقذ ديف أطفالها. جثا العجوز عند قدمي ديف وهو يبكي ويقول: «أنت لم تنقذ أطفالنا فقط، أنت أنقذت مستقبلًا كاملًا.»
وبطريقة إعجازية، وسط بكاء الجميع، عادت أجهزة القلب لتعطي نبضًا ضعيفًا ومفاجئًا، وكأن دعوات الآلاف الذين تابعوا البث قد وصلت للسماء.
مرت شهور طويلة، وفي نفس الحديقة التي شهدت الفاجعة، أقيم حفل زفاف آخر. لم تكن هناك ثريات كريستالية ولا مظاهر بذخ، بل كانت هناك كراسي بسيطة، وياسمين تمشي بجانب رجل يجلس على كرسي متحرك، وجهه يحمل ندوبًا واضحة، لكن عينه تلمع بانتصار لم يعرفه بشر من قبل. لم يضع ديف الخاتم في إصبعها فحسب، بل وضع وسام الشجاعة الذي تسلمه من الدولة على فستانها الأبيض، وأدرك الجميع أن العريس لم يهرب من الزفاف، بل ذهب ليحضر لعروسه أجمل هدية يمكن أن يقدمها رجل لامرأة: حياة الآخرين. انتهى الحفل بتصفيق لم ينقطع، ليس لجمال العروسين، بل لقدسية الوفاء الذي كُتب بالدم والنار.

 

تم نسخ الرابط