ثمن السكوت

لمحة نيوز

أنا عمري ما قولت لحماتي إني قاضية. بالنسبة لها، كنت مجرد واحدة عاطلة وبتاعة مصلحة بتجري ورا فلوس ابنها.
"سيبي الطفل!".. رئيس الأمن قال الجملة دي بهدوء مرعب خلى حماتي تتجمد مكانها، و"ليون" كان بيصرخ بين إيديها. أنا كنت سامعة الصرخة دي كأني تحت المية؛ بعد الولادة القيصرية جسمك مابيكونش ملكك، الوجع بييجي في موجات، والراس تقيلة، والريق ناشف. بس فيه صوت أي أم بتميزه فوراً.. صرخة ابنها لما حد يشيله غلط، أو لما يتاخد لمكان مجهول.
حاولت أقوم، وحسيت إن الغرز بتشد في بطني كأني بتفتح من جديد. الممرضة جريت عليا وقالت لي "ما تتحركيش"، بس أنا خلاص مكنتش قادرة أسكت. حماتي "جالينا" كانت ضامة "ليون" على بالطو الفرو بتاعها كأنه جماد مش طفل. وشها مكنش فيه خوف، كان فيه غضب بس، لأن الأمور ممشيتش زي ما خططت.
بكل ثقة قالت للأمن: "الست دي مش متزنة ولازم تتعزل، والطفل ده بتاعي". كانت بتتكلم كأنها متعودة محدش يرفض لها طلب. طول السنين اللي فاتت، أنا كنت بسكت، كنت بخاف على

جوازي، وبخاف إن الحقيقة تخلي الأمور أسوأ. "أرتم"، جوزي، كان بعيد عن أمه بس لسه معتمد عليها نفسياً؛ كانت بتكلمه كل يوم، تفتش وراه بياكل إيه، وتفكره إن لولاها مكنش وصل لحاجة. في الأول افتكرت إن ده توتر عائلي عادي، بس اكتشفت إنها بتبني سجن من الديون النفسية حواليه، وأي ست قريبة منه بالنسبة لها مجرد "راكبة" في القطر بتاعهم.
يوم الفرح كانت بتبتسم في الصور، وبعد أسبوع سألتني بلقم: "إنتي معاكي فلوس تجيبي جزمة شتوي ولا ابني هو اللي هيصرف عليكي؟". أنا سكت، وهي افتكرت سكوتي ضعف وهبل، ومكنتش تعرف إن ده كان "غطاء" لشغلي الحقيقي. "أرتم" كان عارف الحقيقة، بس حلفني ما أقولش عشان "ماما تحس إنها مسيطرة". وافقت عشان كنت حامل وحملي صعب بعد مرتين إجهاض، فقلت أشتري دماغي. وبالنسبة لحماتي، كنت بشتغل "أعمال استشارية بسيطة" أو "ترجمة" من البيت.. يعني عاطلة وبرستيجي ضايع.
بنتها "فيرونيكا" كانت هي محور اهتمام العيلة؛ ديون تتسدد، كلام دبش، جوازات فاشلة، مشروع لبس أطفال خسر،
ورجعت تعيش مع أمها وهي عندها 40 سنة. وبعد محاولات حقن مجهري فاشلة، قرروا إن ابني أنا هو اللي هيدفع تمن وجع فيرونيكا.
في المستشفى، حماتي كانت بتمثل دور الضحية ببراعة، وبتتكلم عن "ذهان ما بعد الولادة" عشان الأمن يصدق إن شكلي المبهدل ده جنان. بس رئيس الأمن بص في وشي بتركيز، كأنه شافني قبل كده، وفجأة ملامحه اتغيرت وقال بصوت واطي: "سيادة القاضية؟".
الأوضة بقت هس.. حماتي بربشت بعينيها مش فاهمة. رئيس الأمن كمل وقال بصوت واضح: "القاضية إيلينا، محكمة الاستئناف الفيدرالية". الكلمة دي كسرت كل حاجة. حماتي وشها بقى أبيض كأن روحها طلعت، وواحد من الأمن قرب منها وقال لها بصرامة: "سلمي الطفل للممرضة فوراً". لأول مرة أشوف في عينيها خوف حقيقي، خوف على نفسها مش على حفيدها.
الممرضة قالت بتقرير رسمي: "المريضة وشها فيه كدمة من ضربة، وليها غرز جراحية.. خدوا الطفل فوراً". ولما حطوا ليون في حضني، انفجرت في العياط. اكتشفنا إن "فيرونيكا" كانت مستنية في العربية بكرسي أطفال فاضي.
. يعني الموضوع مكنش نرفزة، دي كانت خطة، وبورق مزور كمان.
لما "أرتم" وصل بعد 40 دقيقة، وشفت الحيرة في عينيه، عرفت إن اللحظة دي هي اللي هتحدد هو مين: "زوج وأب" ولا "جبان". قولت له: "أمك حاولت تخطف ابنا، والكاميرات مسجلة كل حاجة". "أرتم" انهار وقعد على كرسي بلاستيك رخيص، ولأول مرة الكلام الحلو مكنش هينقذه.
يوميها، فيرونيكا اعترفت بكل حاجة من خوفها، وقالت إن أمها هي اللي خططت. "أرتم" نقل لبس أمه وحاجتها من بيتنا في صناديق، وقعد جنبي وقال: "مش عارف لو هتقدري تسامحيني، بس مش هسمح لحد يقرر مكاننا تاني".
خرجت من المستشفى بعد 5 أيام. مكنش فيه ورد ولا زينة، كان فيه بس "لونا" و"ليون" في حضني. لما روحت، قفلت الترباس اللي عمري ما بستخدمه، وشربت شاي في سكوت. بصيت على أساور المستشفى البلاستيك اللي في إيد ولادي، وعرفت إنها الدليل الوحيد إن محدش له حق يقسم حياتك على مزاجه. السلام اللي بنشتريه بالسكوت عن كرامتنا تمنه غالي أوي، ومن ليلتها، محدش اتجرأ يتكلم بالنيابة
عني تاني.
تمت

تم نسخ الرابط