عزومة اهلي

لمحة نيوز

كنا كلنا متجمعين عند بيت عيلتي، ليلة جمعة عادية، وفي وسط الكلام مخدتش بالي وشربت "بؤ" مية من الكوباية اللي كانت قدام جوزي. بكل برود، وبمنتهى القسوة، قام ماسك الكوباية وراميها في الزبالة قدام الكل.
أمي وشها اتخطف وبقى لونه أصفر زي الليمونة.. بصتله بصدمة وقالت:
"جرى إيه يا دكتور شريف؟ إيه اللي بتعمله ده يا ابني؟"
مردش عليها، وبكل هدوء وبرود أعصاب، قام صب لنفسه كوباية تانية خالص.
أنا بلعت ريقي وبلعت معاها ذلي، وحاولت أصلح المنظر قدام أهلي فقلت بضحكة باهتة:
"يا ماما معلش، إنتي عارفة شريف، هو عنده وسواس نظافة زيادة شوية، تلاقيه قرف بس."
الكل بص لبعضه باستغراب.. دي أول مرة يسمعوا إن دكتور شريف المنشاوي عنده وسواس، طول عمره بياكل وبيشرب وسط الناس عادي. أنا حاولت أرسم ابتسامة مكسورة على وشي.. لإن "المرض" ده مبيظهرش غير معايا أنا بس. لو إيدي لمست إيده بالصدفة، بيجري على الحمام يغسل إيده بالصابون والمطهر كأنه لمس حاجة ملوثة. لكن القطة اللي طالبة عنده في الكلية سيباها أمانة عندنا، بياخدها في حضنه وينام بيها على السرير عادي جدًا!
أمي شافت نظرة عيني، وقامت وقفت فجأة، وصوتها كان بيترعش من القهر:
"حقك علينا يا دكتور.. بنتي هي اللي حظها قليل، وطمعت في نسب الأستاذ الدكتور شريف."


رفع شريف عينه وبص لأمي ببرود تام وقال: "يا طنط، حضرتك بتكبري الموضوع ليه؟ ملوش لزوم الكلام ده."
البيت كله ساد فيه صمت يموت.. صمت يحسسك إنك مدفون بالحيا. قمت وسندت أمي وقلت: "يا جماعة العشا كان جميل، كفاية كدة النهاردة.. يلا بينا."
طول طريق الرجوع للبيت، كان السكون هو سيد الموقف. موبايلي نور برسالة من أمي: "يا بنتي، إنتي شايلة كتير وتعبانة في عيشتك صح؟"
تعبانة؟ مقدرش أقول إنه مقصر معايا في فلوس، وفي نظر الناس هو "الزوج المثالي". بس الحقيقة إني بقالي سنين نسي يجيبلي هدية.. وفي أي مناسبة رده واحد: "هاتي اللي إنتي عايزاه، أنا ماليش في جو المحلات ده وماعنديش وقت."
مسحت دمعة نزلت غصب عني ورديت عليها: "يا ست الكل متخليش في بالك، هو بس مضغوط.. أنا كويسة والله."
بعد دقيقة الموبايل رن تاني: "أنا بس عايزاكي تكوني مبسوطة يا ضحى."
أمي دي كانت شايفة شريف "هدية من السما". أنا طالعة من بيت مهدود، أب قمار وأم قضت عمرها في المستشفيات.. الكل كان بيقولي إني "اتنططت" لما اتجوزت دكتور شريف. أكتر كلمة قالتها لي في حياتي: "يا بنتي اشكري ربنا إن شريف رضي بيكي."
العربية وقفت في إشارة.. وخد باله إني بعيط، بص لي بضيق: "لو بتعيطي عشان اللي حصل عند مامتك، فأنا آسف يا ستي.. بس ياريت نقلل الدراما
والمشاكل اللي ملهاش لزوم دي."
أول ما دخلنا الشقة، سابني ودخل علطول "أوضة القطة" عشان يأكلها. دي تاني مرة طالبة عنده اسمها "سلمى" تسيب قطتها عندنا. كان مهتم بالقطة أكتر من أي حاجة في البيت. لقيته ماسك الموبايل وبيصور فيديو بيبتسم للكاميرا وهو بيكلم القطة، أكيد بيبعت لسلمى يطمنها.
دخلت الأوضة وقلت بصوت عالي: "يا روحي يا لولو.. تعالي هنا سلمي على (ماما) في الكاميرا."
ضحكة شريف اختفت تماماً وبص لي بحدة: "ضحى، القطة مش بتحب حد غريب يدخل مكانها، ياريت بعد كدة مت..."
قاطعته بقوة: "دي بيتي أنا.. مش مكان القطة! يا شريف، الأوضة دي كان المفروض تكون أوضة ولادنا!"
وشه اتغير وقال: "أنا قولتلك قبل كدة، أنا مش عايز خلفة."
انفجرت فيه وصرخت بكل القهر اللي جوايا.. سألته بصراخ: "ليه بتعمل فيا كدة؟! أنا للدرجة دي بقرفك؟"
بص لي بمنتهى البرود، وكأنه بيشرح مسألة حسابية معقدة، وقال:
"عشان إنتي مؤقتة يا ضحى.. والواحد مبيستثمرش مشاعره ولا وقته في حاجة عارف إنها مش دايمة. إحنا اتجوزنا عشان البرواز يكمل.. دكتور جامعي لازم يكون جنبه ست بيت هادية بتسمع الكلام. أنا بقرف من الأماكن اللي جيتي منها، بقرف من الضعف اللي في عينيكي.. أنا مش بقرف من الكباية يا ضحى، أنا بقرف من فكرة إنك شربتي منها."
حسيت
إن الأرض بتلف بيا.. كل السنين دي كنت فاكرة إني مقصرة، طلع بيحتقرني!
قربت منه وأنا جسمي كله بينتفض وقلت بصرخة: "لو أنا مؤقتة، فإنت بالنسبة لي دلوقتي انتهيت.. البرواز اللي إنت فرحان بيه أنا هكسره على دماغك. أنا بنت القمار اللي بتتقرف منها، هي اللي هتنهي مهزلة الدكتور شريف المنشاوي!"
بص لي بسخرية: "هتعملي إيه يعني؟ هتتطلقي وترجعي تشحتي اللقمة؟"
رديت بهدوء مرعب: "هعمل اللي يخليك تقرف من نفسك.. يا تطلقني بالمعروف وتديني كل حقوقي، يا إما فضيحتك في الجامعة هتكون على كل لسان!"
وشه اتقلب 180 درجة، ولأول مرة أشوف في عينه الخوف. قعد على الكرسي وقال بصوت مكتوم: "عايزة إيه يا ضحى؟"
"عايزة حريتي.. تطلقني دلوقتي حالا، وحقوقي كلها تجيلي لحد باب بيت أمي."
نفذ كل اللي قلته، طلقني وخرج من البيت وهو مش قادر يحط عينه في عيني. رجعت لبيت أمي، دخلت في حضنها وعيطت.. أمي طبطبت عليا وقالتلي: "يا بنتي، اللي يخليكي تحسي إنك قليلة هو اللي ناقص.. إحنا كنا بنشتري راجل، مكنتش أعرف إننا بنشتري تمثال من تلج."
مرت الشهور، وشريف المنشاوي سيرته بقت على كل لسان بعد ما فضايحه طلعت للعلن.. أما أنا، فبدأت أشتغل وأدرس من جديد، اكتشفت إني مش ست غلبانة، أنا ست قوية بس كنت محتاجة "كباية مية" تترمي في الزبالة
عشان أفوق وأعرف قيمتي.
**النهاية**

تم نسخ الرابط